Advertisement
أنهى حزب جبهة العمل الإسلامي، منذ أسابيع، انتخابات الفروع لأعضاء مجلس الشورى، ويُنتظر حتى بداية الشهر المقبل لانعقاد المجلس الجديد، الذي يستكمل بدوره أعضاء مجلس الشورى، ثم المؤتمر العام، الذي يضم قرابة 550 عضواً، لاختيار أمين عام الحزب، الذي من المفترض أن يقوم -بدوره- باقتراح أعضاء المكتب التنفيذي، الذين يصوّت عليهم المؤتمر العام، وفق التعديلات التي أُدخلت على النظام الأساسي للجبهة.
بالرغم من خروج واستنكاف، أو بعبارة أدقّ انتهاء وجود التيار الذي أُطلق عليه إعلامياً: المعتدل -الحمائم- في صفوف الجماعة والحزب، مع الأحزاب الجديدة التي تشكّلت (الشراكة وزمزم، والجمعية الجديدة)، واستنكاف الآخرين عن المشاركة في الانتخابات، فإنّ التيار المنافس له (الذي يوصف بالصقور والمتشددين) انقسم على نفسه، منذ عامين تقريباً، بين مجموعتين؛ الأولى يقودها زكي بني ارشيد (ويُطلق عليها حالياً في أوساط الجماعة مصطلح "الحالة الوسطية")، والثانية يعد المهندس مراد العضايلة، العقل البارز فيها، وتضم معه نخبة من الصقور التقليديين التاريخيين، الذين نجحوا في العودة إلى مجلس الشورى في الانتخابات الأخيرة.
كانت الرهانات متضاربة بين التيارين الحاليين في الجماعة والحزب؛ إذ كان بني ارشيد يعوّل على إفرازات انتخابات مجلس شورى جماعة الإخوان الأخيرة، التي أنتجت تفوقاً لتيار "الحالة الوسطية"، وأدت إلى قرارات معتدلة، بينما لم تتضح بعد الصورة النهائية لحالة شورى الجبهة، وإن كانت لا تبدو شبيهة -حتى الآن- بنتائج الإخوان، وهو ما سينتج عنه وجود قيادة جديدة لحزب جبهة العمل الإسلامي.
بالضرورة هذه التحوّلات، والحالة الضبابية التنظيمية الداخلية في الجبهة والجماعة، ما تزال مربكة لكثير من المراقبين، وحتى لأعضاء في داخل هذا التنظيم، لأنّ التحالفات تبدّلت وتغيّرت، فبينما يذهب بني ارشيد بعيداً في المواقف المعتدلة فكرياً وسياسياً، وقد كتب مؤيداً الدولة المدنية وتطوير خطاب الحركة الإسلامية، ولديه رأي مغاير في الموقف من حزب الشراكة والإنقاذ، وهي التحولات أو المراجعات التي عزّزت الخلافات والتباينات بينه وبين مراد العضايلة ونخبة من الصقور التقليديين.
مع ذلك، فمن الضروري الإشارة إلى أنّ مصطلحات الصقور والمتشددين والمعتدلين لم تعد قائمة بالمعنى التاريخي المتعارف عليه، ويبدو أنّ الفراغ الذي أنتجه غياب تيار الحمائم أدى إلى إعادة فرز الخلافات على أسس جزئية وداخلية، وفي بعضها شخصي، في أوساط التيار الآخر، فأصبحت مجموعة بني ارشيد هي من يحاول ملء "فراغ المعتدلين"، لكن في الحقيقة فإنّ الخلافات ليست واضحة تماماً، وهلامية.
ومن زاوية أخرى ومهمة، فإنّ كلا التيارين يدرك ضرورة "تحريك المياه الراكدة". لذلك وبالرغم من وجود اختلافات داخلية حول الموقف من الدولة المدنية، مثلاً، (ما أدى إلى عقد مؤتمر داخلي في جبهة العمل الإسلامي، قبل شهور، قدّم فيه زكي بني ارشيد ورقة مؤيدة للدولة المدنية، بينما قدم الصقور ورقة مناقضة لذلك)، فإنّ الطرفين توافقا على إحداث تغييرات هيكلية كبيرة في النظام الأساسي للجماعة وحزب جبهة العمل الإسلامي، وتعزيز دور الشباب والمرأة، وتحويلهما من أقسام إلى قطاعات، وتعزيز الفصل بين جبهة العمل وجماعة الإخوان المسلمين.
ذلك كلّه يأتي في محاولة تقشيع الضبابية بعد مخاض الربيع العربي، وتبقى هنالك أسئلة مهمة مرتبطة بتساؤل رئيس هو: ماذا بعد؟ حول العلاقة مع الدولة، ومصير جماعة الإخوان، وإطار التجديد المطلوب، وهي التحديات التي سنناقشها في مقالة غد.. ــ الغد