Advertisement
تُعد جماعة الإخوان المسلمين اليوم، لوثيقة سياسية جديدة تطرح فيها رؤيتها الإصلاحية، من جديد، في ضوء المتغيرات والتحولات الكبيرة العاصفة، التي حدثت -وما تزال- سواء على صعيد المنطقة، أو حتى الوضع الداخلي، بصورة خاصة بعد مرحلة الربيع العربي؛ أي منذ قرابة 7 أعوام.
بانتظار الوثيقة وما يمكن أن تحمله من آراء ومواقف سياسية وفكرية، فإنّ السؤال المهم الذي يتردد في أروقة الحركة الإسلامية اليوم هو: ماذا بعد؟! هذا السؤال ينظر إليه الإخوان من خلال ثلاثة اتجاهات رئيسة؛ الأول مرتبط بالعلاقة مع الدولة، فيما إذا كان هنالك مجال متاح للانفراج وعودة المياه إلى مجاريها. والثاني مرتبط بسيناريوهات العلاقة بين جماعة الإخوان وحزب جبهة العمل الإسلامي.
أمّا الثالث الذي يعمل عليه الإخوان -وقد أشرنا إليه سابقاً- فهو محاولة استدخال إصلاحات تنظيمية وهيكلية وتحسين البيت الداخلي، بالإضافة إلى بعض الإشارات المرتبطة بالتمييز بين الدعوي والسياسي، وإن كانت ما تزال غير ناضجة، كما هي حال الأحزاب الإسلامية الأخرى، في المغرب وتونس، وحتى التحولات الكبيرة التي أجرتها حماس على إيديولوجيتها السياسية في الوثيقة السياسية التي أصدرتها قبل شهور، وتستبطن ابتعاداً كبيراً عن المنطق الفكري الأول الذي تأسست عليه الحركة وتسييساً ملحوظاً في أفكارها، والاتجاه نحو الواقعية السياسية.
بالعودة إلى الموضوع الأول؛ أي العلاقة مع الدولة، فهي كما وصفها -منذ أعوام- أمين سرّ السابق لجماعة الإخوان المسلمين، والقيادي الحالي في حزب الشراكة والإنقاذ، خالد حسنين، أقرب إلى حالة "اللا حرب واللا سلم"، فلا هي معركة مفتوحة سياسياً، كما هي حال أغلب الدول العربية، تصل إلى حدّ "تكسير العظم"، ولا هي سلام، فهنالك "صدام ناعم"، وأزمة متعددة الأبعاد، طويلة المدى، ومن الواضح أنّ "الدولة" لا ترغب بتغيير هذه المعادلة المريحة لها، على الأقل على المدى القريب، لأنها توفّر لها -أي الدولة- توازنات عديدة، بين الاعتبارات الداخلية والأمنية من جهة والإقليمية من جهة ثانية.
هل يمكن أن تسوء الأمور أكثر؟! هذا مرتبط بما يحدث من تطورات داخلية وإقليمية، والعكس صحيح، بمعنى أنّها قد تتحسن، لكن ذلك مشروط بإزالة "الغمامة" التي حلّت على العلاقة بين الطرفين، بخاصة خلال العام 2011، عندما توطّدت قناعة لدى الدولة بأنّ الجماعة تتمرّد بصورة ناعمة، وأنّ مطالبها الإصلاحية -حينذاك- كانت تستهدف تعديلات دستورية، بالتزامن مع رفضها الاشتراك في لجنة الحوار الوطني ومشاركتها بصيغ مختلفة ومتعددة في الحراك الشعبي.
تلك الأحداث عززت من قوة التيار المعارض لأي انفتاح مع الجماعة، بالتوازي مع التطورات الإقليمية، وأضعفت كثيراً من صوت النخبة التي ترى فيها عامل استقرار وقوة للعبة السياسية، ومن الصعب تغيير ذلك إلاّ من خلال خطوات أخرى يقوم بها حزب جبهة العمل الإسلامي في محاولة لإصلاح الكسر، عبر تقديم خطاب سياسي واقعي أكثر تماسكاً ومرونة في التعامل مع التحولات والتطورات الحالية، داخلياً وخارجياً.
بالنسبة للشقّ الثاني، فإن السؤال الأفضل هو: هل مصلحة الإسلاميين بعودة جماعة الإخوان بالصورة السابقة، أم بتحويلها إلى مدرسة روحية وفكرية وتربوية؛ أي أشبه بجماعات الضغط والمصلحة، ونقل الزخم الكبير إلى جبهة العمل الإسلامي، وتحويله فعلاً إلى حزب سياسي كامل الدسم، والانتقال بصورة كاملة من السرية إلى العلنية، والفصل الواضح بين اعتبارات العمل الدعوي والسياسي، أسوة بما حدث في المغرب وتونس؟!.ــ الغد