Advertisement
بمبادرة من «هيئة شؤون الأسرى والمحررين» ومؤسسات فلسطينية تعنى بقضايا الأسرى في سجون الاحتلال، أحيا الفلسطينيون في نيسان/ إبريل كما في كل عام، ذكرى «يوم الأسير» الفلسطيني. وقد تضمنت عملية الإحياء عديد الفعاليات والأنشطة في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي مواقع الشتات الفلسطيني، بلغت ذروتها في «يوم الأسير» (17/4)، تضامنا مع الأسرى وتأكيدا على دعم قضيتهم ورفضا للاحتلال.

يأتي إقرار المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 تاريخ (17/4) من كل عام يوما للأسير الفلسطيني واعتباره يوماً وطنياً؛ وفاء لشهداء الحركة الوطنية الأسيرة وتضحياتهم، وللأسرى القابعين في سجون الاحتلال، ويرتبط حسب السياق التاريخي الوطني باليوم الذي انطلقت فيه ثورة 1936 واعلان الاضراب العام الذي استمر 6 شهور احتجاجا على سماح الانتداب البريطاني بالهجرة اليهودية الى فلسطين ومصادرة الأراضي الفلسطينية، وفيه نستذكر أول أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية، الأسير المناضل محمود بكر حجازي، الذي اعتقل في ثاني عملية فدائية للثورة على أرض فلسطين في 17/12/1965، وظل يصارع حكم الإعدام والمجهول في زنزانة العزل الانفرادي على مدى (4) سنوات و(8) أشهر، مؤكداً على أنه أسير حرب، وليس سجيناّ، ليتم لاحقا اطلاق سراحه في أول عملية تبادل أسرى بين منظمة التحرير الفلسطينية والدولة الصهيونية في 28/1/1971.

مع أواخر آذار 2018، بلغ عدد الأسرى في السجون الإسرائيلية: (6500) أسيرا يواجهون مختلف أنواع التعذيب والمعاناة والإهمال، منهم (63) أسيرة، بينهن (21) أم و(11) قاصرات، إضافة لـ (350) طفلًا، و(500) معتقل إداري يواصلون احتجاجاتهم على طريقة اعتقالهم ومصادرة حريتهم المحرمة دوليا والتي تفتقد لأي لائحة اتهام. وبين هؤلاء الأسرى، يقضي (534) معتقلًا أحكامًا بالسجن المؤبد لمرة واحدة أو أكثر، كما استشهد في السجون الصهيونية (215) معتقلا، سواء كان ذلك بالقتل المباشر والتصفية الجسدية، أو من خلال التعذيب على أيدي فرق متخصصة أو نتيجة لسياسة الإهمال الطبي، حيث يوجد في السجون الصهيونية أكثر من (1800) حالة مرضية منها من يصارع الموت. كذلك، منذ عام 2002، تم اعتقال عدد من نواب «المجلس التشريعي» والوزراء بغية تقويض النظام السياسي الفلسطيني، حيث اعتقلت قوات الاحتلال في سجونها (6) نواب، بينهم (خالدة جرار)، وأقدمهم الأسير (مروان البرغوثي) المعتقل منذ 2002 والمحكوم بالسجن لخمسة مؤبدات، إضافة إلى الأسير (أحمد سعدات) المعتقل منذ 2006 والمحكوم بالسجن لثلاثين عامًا.

«جيش الدفاع» الإسرائيلي الذي استمر في محاربة جيوش عربية نظامية حتى العام 2000 تاريخ انسحابه من لبنان؛ أصبحت حروبه الاستنزافية اليوم «متخصصة» في عمليات اعتقال وقتل، ممنهجة ومتصاعدة، ضد شعب أعزل إلا من إرادة المقاومة. فالجندي الإسرائيلي، المدجج بعتاد عسكري من رأسه حتى أخمص قدميه والمستعد دائماً للهجوم، لم يعد يواجه جنديا نظاميا آخر!، والجيش الصهيوني المزعوم أنه «لا يقهر» و»أكثر الجيوش أخلاقا!!!» بات اليوم يحارب شبابا وأطفالا ونساء شعب لا يملك جيشا، ولن يكون آخر ضحاياه (عهد التميمي) ولا أولئك الذين ارتقوا شهداء وجرحى وأسرى في «مسيرات العودة» وقبلها في «معركة العاصمة – القدس» إثر إعلان الرئيس الأميركي اعترافه بزهرة المدائن عاصمة لإسرائيل، وقبلها، وبعدها!.

إن قضية الأسرى قضية مركزية ومحورية تتطلب مشاركة واسعة وفاعلة من خلال البرنامج الوطني الخاص بفعاليات «يوم الأسير»، ويتوجب على كافة أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية –رغم كل الظروف والمنعطفات الآنية بالغة الدقة–القيام ببلورة تصور واستراتيجية واضحة في مقاربة ومتابعة قضية الأسرى؛ بالاستمرار في النضال والكفاح ضد الاحتلال، والمزاوجة بين العمل السياسي والمقاوم. هذا، مع إدراك الفلسطينيين أنهم، ومهما سعوا في توجههم نحو المنظمات الحقوقية العربية والدولية ومحكمة الجنايات الدولية؛ فإنهم لن يتمكنوا من إعادة إنتاج وخلق «احتلال عصري!» ناهيك عن «احتلال إنساني!!». ورغم ذلك، لا مناص من الاستمرار في التحرك وسلوك مثل هذا الاتجاه، من أجل نصرة قضية الأسرى، والعمل على اطلاق سراحهم، والمطالبة بتوفير الحماية الدولية لهم، وفقا لقواعد القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني، وبالضغط على الاحتلال الإسرائيلي للالتزام بمواد وبنود اتفاقيات جنيف والقانون الدولي والإنساني فيما يتعلق بحقوق الأسرى والأسيرات الفلسطينيات في السجون، وكذلك تفعيل أدوات المساءلة والمحاسبة تجاه مقترفي الانتهاكات والجرائم ضد الأسرى، واعتبار إسرائيل دولة عنصرية ووضعها على «قائمة الإرهاب» الدولي، لا بل على «قائمة العار» لاعتقالها الأطفال القصر، وانتهاكها كل القوانين الدولية، مع مطالبة برلمانات العالم مقاطعة البرلمان الإسرائيلي لما يقوم به من سن قوانين عنصرية تشكل خطراً على العدالة والقيم الإنسانية. كما لا بد أيضا من إعادة بلورة الخطاب الإعلامي في قضية الأسرى والشهداء بشكل يفضح ازدواجية معايير العدالة الإنتقائية التي يتعامل بها الغرب مع القضية الفلسطينية بشكل عام وملف الشهداء والأسرى –بكل متعلقاته- بشكل خاص؛ لكي لا يصبح هؤلاء مجرد أرقام تتناولها التقارير الصحفية والفضائيات. وفي هذا السياق، لا أدل على سقم هذه العدالة الانتقائية من ردود الفعل المدوية التي صاحبت وتصاحب اختطاف جنود اسرائيليين مثل: (جلعاد شاليط) و(هدار جولدن) و(شاؤول أرون) وغيرهم، حيث انقلبت يومها (وتنقلب) الدنيا رأسًا على عقب!

كثيرون هم الذين يدركون أنه رغم تحويل الممارسات الاستعمارية/ «الإستيطانية» لمعظم تجمعات أبناء الشعب العربي الفلسطيني إلى سجونٍ كبيرة، ورغم سياسات «إسرائيل» العنصرية تجاه الفلسطينيين في الضفة والقطاع وأراضي 48 وما تتضمنه من ظلم وانتهاكات لم تتغير بتعاقب حكوماتها –رغم تغنيها بالديمقراطية- وسنها من أجل ذلك القوانين المجحفة (ومنها: مشروع القانون الذي يسمح بتنفيذ عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين) إلا أن «إسرائيل الأبارتايدية» هذه تتوفر فيها كل مقومات «الزوال» كمشروع استعماري وعنصري وبالذات مع الصحوة الكونية التي بدأنا نشهدها لصالح حقوق الشعب الفلسطيني العادلة والمشروعة، ومع الاستمرار في بذل جهود دؤوبة ومساع حثيثة متواصلة لـ «طرق جدران الخزان»!.

في «يوم الأسرى»، لا نفقد الأمل، ونردد معهم: مهما طال الزمان أو قصر، «لا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر»!، ونغني معهم: «يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما... ليس بعد الليل إلا فجر مجد يتسامي». ونحن على يقين من أنه، في معركة أسرانا مع سجانيهم في «عض الأصابع»: لن يكونوا هم أول من يصرخ!

ــ الراي