Advertisement
بسام البدارين :
وقف رئيس الوزراء الأردني الدكتور عمر الرزاز مضطراً ًمام تكتيك يستثمر في بعض العبارات «الشعبوية» لكي يراهن على الورقة اليتيمة التي يمكن أن تخدمه في مواجهة استحقاق ثقة البرلمان بين خصومات ملموسة تحت القبة وخارجها. الرزاز ألقى خطاباً مؤثراً ظهر أمس تضمن بيانه الوزاري في جلسة الدورة الطارئة لمجلس النواب ولأغراض الثقة بحكومته.
الجرعة عند الاستعانة أمام النواب بالشارع بدت واضحة تماماً وهو يعلن بجرأة وصراحة: «لقد طفح كيل المواطن». قبل ذلك وفي بداية خطابه استند الرزاز مخالفاً نصائح متعددة إلى مضمون ومنطوق حراك الدوار الرابع الشهير لكي يلفت النظر ضمنياً إلى ان تجربته مستهدفة من القوى المحافظة والكلاسيكية عبر التأكيد على ان احداث الدوار الرابع التي قفزت أصلاً بحكومته كانت مشهداً حضارياً وراقياً اتفقت معه وامتدحته القيادة الملكية. حصل ذلك فيما كان السؤال يدور وسط النخب والصالونات حول التكتيك الذي يمكن لحكومة يترأسها رجل بمواصفات الرزاز ان تنتهجه في ظل برود مزاج البرلمان تجاهها وسعي مراكز الثقل المحافظة للتعامل مع الحكومة ورئيسها باعتبارهما مجرد مرحلة مؤقتة.
بوضوح يبدو أن الرزاز محشور بزاوية محددة سياسياً. وبوضوح أيضاً أجاب الرجل على سؤال التكتيك عبر اللعب بالورقة الحقيقية الفارقة أمامه وهي ورقة الشارع وقوى الدوار الرابع التي صعدت أصلاً بحكومته وخاطبها طوال الوقت. تلك مراهنة قد تصل إلى مستوى المقامرة السياسية لكن لا يمكن لوم الرزاز عليها بعدما شعر بأن القوى التي تتربص بتجربته كثيرة ومتعددة ومتحفزة للانقضاض مبكراً. وهي مجازفة بمعنى الاستقطاب البرلماني لان الحكومة هنا تستقوي بالشارع على السلطة الدستورية التي ينبغي ان تضفي عليها الشرعية القانونية وفقاً لعضو مجلس النواب الديناميكي خالد البكار الذي سجل قبل تدشين جلسات الثقة مع «القدس العربي» ملاحظاته المتعددة واهمها شعوره بأن الحكومة ينبغي ان لا تتسابق اصلاً مع النواب على استقطاب الشارع. ويقر البكار وهو برلماني نشط وقريب من السلطات بان تلك لعبة تسييس مفتوحة على الاحتمالات اذا ما نوقش اتجاه الحكومة بعيداً عن متطلبات دار التمثيل الشعبي.

لماذا لجأ الرزاز إلى هذا التكتيك؟

بكل حال أثبت الرزاز قبل خصومه الكثر بأنه قلق من مستوى الدعم والاسناد حتى داخل مراكز القرار في الدولة عندما قرر طرح بطاقة اللعب الرئيسية التي يحملها في جيبه وهي الشرعية الشعبية في مجازفة يتصور مطبخ الرزاز القريب بانها اضطرارية وقد تعيد انتاج حسابات التصويت في الثقة.
الاجابة متوفرة في حال التدقيق الاستقصائي في الجولة السريعة التي اجراها الرزاز وسط النواب بصفة فردية خلال الايام العشرة الماضية بعدما استقبل العشرات منهم وتفرغ نائبه الدكتور رجائي المعشر لإدارة الحوار السياسي مع الفعاليات الاقتصادية على قانون الضريبة الجديد.
نواب متعددون أعلنوا أمام الرأي العام حجبهم للثقة مبكراً وبين هؤلاء النائبان يحيى السعود وحسن العجارمة وهما قالا بعدم امكانية منح الحكومة للثقة بسبب وزير الاتصالات فيها مثنى الغرايبة المتهم بأنه هتف لإسقاط النظام في عام 2012. هنا ثبت للجميع بأن استعانة الرزاز بالوزير الشاب الغرايبة كانت مكلفة برلمانياً لان كتلة صلبة من النواب لا تبدو مقتنعة بنظرية الرزاز عن ضرورة تمثيل حراك الدوار الرابع في عمق الحكومة. بمعنى آخر يمكن القول بأن الوزير الغرايبة خدم الرزاز عند التيار المدني المتعصب وفي وسائط التواصل الاجتماعي لكنه تحول إلى رمز يمكن ان يؤدي إلى حجب العديد من أصوات الثقة عن البرلمان.
أغلب التقدير ان الرزاز سيتمسك بوزيره لان القضية أخلاقية بالنسبة له، الأمر الذي يوضح جزءاً من المجازفة واكمال المسيرة عبر التركيز على امتداح احداث الدوار الرابع وما حصل فيها وبعدها. عندما استقبل الرزاز نائبين معتدلين لهما رمزية محددة في التمثيل من وزن محمد الظهراوي ومحمد هديب فوجئ بإبلاغه حجب الثقة مباشرة وعلى أساس حجبهما السابق للثقة عن حكومة الرئيس هاني الملقي. بمعنى آخر يقول الوسط المسيس والمعتدل من بعض النواب للدكتور الرزاز : حجبنا الثقة عن الملقي فاستعنت أنت بـ 15 وزيراً من حكومته.

الكمين الثاني

هنا على الارجح اكتشف الرزاز الكمين الثاني الذي زرع في عمق فريقه حيث ان إصراره على وجود اكثر من نصف اعضاء مجلس وزراء الملقي اصبح كارثيًا في حسابات الثقة والشارع ولا يمكن تبريره خصوصاً وان السبب الذي دفع الرزاز لتوزير نحو ثلثين من حكومة الملقي لا يزال في إطار السر الكامن الذي لا يمكن تفيكك ألغازه حتى اللحظة. وذلك يثبت بان وجود كتلة كبيرة من وزراء الملقي أصبح الحجة الثانية التي يمكن أن تستخدم برلمانيا ضد الحكومة في سياق الثقة.
ثمة حجج اضافية فالنائب الاسلامي المهم صالح العرموطي يأخذ على الرزاز استعانته بسبع نساء سافرات دون وجود تمثيل لامرأة محجبة في الوزارة وآخرون من ممثلي المكون الفلسطيني يأخذون على الرزاز اصراره على «تأنيث» تمثيل المكون في الحكومة. وفي المقابل لا يبدو مربع القرار حتى مساء الاثنين معنياً بان تحصل حكومة الرزاز على ثقة برلمانية مريحة وثمة بالضرورة قوى من الحرس القديم تعتبر حكومة الرزاز اصلاً نتيجة للحظة الانفلات والضعف في اجهزة الدولة.
وثمة قوى موازية لا يمكنها الموافقة على خطاب سياسي اصلاحي يتحدث عن مشروع نهضة وطني او عقد اجتماعي جديد وفي العمق ثمة نائب لرئيس الوزراء هو الدكتور رجائي المعشر يعترض وبشدة على اي محاولة لدفع كلفة استقطاب الاسلاميين والى جانبه مؤثرات من الواضح انها حذرت الرزاز من التفاهم تكتيكياً لأغراض الثقة مع كتلة الاخوان المسلمين. هذه القوى مجتمعة تخطط وبوضوح لإعاقة حكومة الرزاز او تمكينها في احسن الاحوال من ثقة على الحافة.
رئيس الوزراء أدرك مسبقاً حجم الاشكال ومقربون منه بدأوا التلميح حول شكل جديد للحكومة بعد الحصول على الثقة وبتعديل وزاري موسع. والى ان يحصل ذلك تكتيك مطبخ الرزاز إجباري من حيث الاتجاه فالرجل لا يحظى بدعم حقيقي من اجهزة الدولة المهمة ومن يتربصون بتجربته كثر داخل المؤسسة وحبل النجاة الوحيد بين يديه هو ركوب مجازفة تأكيد العلاقة مع الشارع والشعب ومع «الدوار الرابع» حصرياً.
ــ القدس العربي