Advertisement
من المتوقع ان يختتم رئيس الوزراء د. عمر الرزاز اليوم سلسلة لقاءاته ومشاوراته "المغلقة" مع الكتل النيابية والنواب المستقلين، قبل أن يجلس واعضاء حكومته اعتبارا من الاحد القادم أمام منصة الخطابة تحت القبة لعدة أيام، للاستماع وتلقي سيل من الخطابات النيابية، التي يتوقع أن تكون بنسقها العام حامية الوطيس نقدا للحكومات، الحالية والسابقات، وتشريحا "شعبيا" للأوضاع الصعبة التي يمر بها الناس والوطن، ومطالبات بالممكن والمستحيل، إلى أن تأتي ساعة الحقيقة ويتم التصويت على الثقة بالحكومة، ربما قبل نهاية الاسبوع القادم.
التجربة علمتنا وعلمت الحكومات أن منصة الخطابة تحت القبة بمناقشات الثقة والموازنات لا تقدم مقياسا حقيقيا للموقف النيابي ومدى الثقة التي يمكن ان تحصل عليها الحكومة عند التصويت. تشكل اللقاءات "المغلقة" مع الكتل والنواب المكان الأنسب والأنجع لحمل الورقة والقلم لعدّ أصوات الثقة، منحا وحجبا وامتناعا، لكنها وللأسف تشكل أيضا المكان الملائم لتقديم الطلبات والشروط "من تحت الطاولة" لدى العديد من النواب وليس كلهم بالطبع! ولن نذهب أبعد من ذلك لنتحدث عن تجارب سابقة كانت تستعين فيها الحكومات بالمدد الخارجي لتليين الجبهة النيابية في الملمّات ونقاط الغلق!   
البيان الوزاري للحكومة، وبغض النظر عن الموقف منه ايجابا أو سلبا، لن يكون وللأسف لدى الكتلة الحرجة في مجلس النواب معيار منح الثقة من عدمه، بل سيكون للحسابات والاعتبارات "الأخرى" كلمة الفصل في المنتج النهائي للثقة، ما يعيدنا مرة أخرى إلى أساس المشكلة في الحياة السياسية الأردنية منذ عقود، وهي التشويه الذي لحق بالحياة البرلمانية من خلال قوانين انتخاب مفصلة لانتاج هذا التشوه، يتم استكمال مفاعيلها (أي هذه القوانين) باجراءات وقرارات وسياسات تساعد بتقديم ما يحافظ على هذا التشوه والقصور في الحياة السياسية والعلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
يمكن بقليل من التصرف أن نسقط هذا الواقع المشوه على الجملة الهامة حقا التي وردت في بيان الرزاز الوزاري، تشخيصا للعلاقة بين الرسمي والمواطن، عندما قال إن "الحكومة تدرك تمام الإدراك مقدار الاهتزاز في الثقة، الذي اعترى العلاقة مع المواطن"، وان "الكيل طفح لدى المواطن، وبات يضيق ذرعا بكلّ السياسات والقرارات التي نتّخذها (...)".
صحيح أن الرزاز قصر في جملته المذكورة اسباب "الكيل الطافح واهتزاز الثقة"، على أن دخل المواطن "لم يتحسن بل تراجع مع تراجع القوّة الشرائيّة، والكثير من أبناء وبنات الوطن ما زالوا بلا عمل، وفوق كلّ ذلك، بات المواطن يجد أنّ الخدمات بغالبيّة القطاعات قد تراجعت، أو أنّها لا ترتقي إلى مستوى الطموح"، أقول صحيح أنه قصر المشكلة بجملته على هذه الاسباب الاقتصادية والمعيشية، وهو تشخيص دقيق ومهم، لكن يمكن اضافة سبب رئيسي لهذه الحال، بل قد يكون مسؤولا عن تحقيق كل الاسباب السابقة، وهو تشوه عملية صناعة القرار السياسي والاقتصادي، والذي مرده في جانب أساسي منه تشوه الحياة البرلمانية، رقابة وتشريعا ودورا عاما.
بيان الحكومة ومدى ملاءمته للمرحلة، والولاية العامة للحكومة وطبيعة وأهلية فريقها الوزاري وقدرتها على الإنجاز.. كلها شروط مهمة وأساسية للحكم على مدى أحقيتها بالحصول على الثقة من عدمه. لكن في ظل التشوه السياسي الماثل أمامنا فإن العديد من مانحي الثقة لا يعطونها لأسباب موضوعية ولها علاقة بالحسابات العامة، وكذلك فإن بعض حاجبي الثقة يستندون أيضا إلى أسباب ودوافع غير موضوعية أو لها علاقة بالرقابة العامة الحقيقية على الحكومة. ربما لكل ذلك سيبقى "الكيل طافحا" لدى المواطن وتواصل الثقة.. الشعبية بالرسمي رحلة انحدارها إلى أسفل!  ــ الغد