Advertisement
في القرآن الكريم يتردد مفهوم العدل اكثر من ثلاثمئة مرة، كما يتردد مفهوم رفض الظلم ثلاثمئة مرة ايضا، ويتوافق العدل في احيان كثيرة من الحق، فالاثنان اسمان من اسماء الله الحسنى، ويقرر الخالق عز وجل ان هدف الانبياء والرسالات والكتب هو اقامة العدل، وانه تعالى قائم بالقسط « شهد الله انه لا إله الا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط «، وان لا شيء يتقدم على العدل حتى لو ضد النفس او الوالدين والاقربين « يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على انفسكم او الوالدين والاقربين « .
 كما انه لا يجوز ممارسة الظلم ضد الآخرين حتى لو كانوا اعداء « ولا يجرمنكم شنآن قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى « ، والعدل هنا مطلوب مع الذات في دائرتها الاولى، ومع الاهل والجيران والمجتمع والآخر، والانسان العادل ( لا مجرد الامام العادل ) هو الموضوع والمقصود ايضا.
 العدل لا يعني فقط المساواة والمماثلة، ولا الاحتياط والامانة عند الحكم في المنازعات، وانما يعني ايضاً الاستقامة والاحسان والفضل، وهذه – الاخيرة – قيمة عزيزة تجعلنا اكثر فهماً وانفتاحاً على ذاتنا وعلى الآخرين، واكثر ايماناً بالعدل كقيمة انسانية وكونية لا يمكن لحياتنا ان تستقيم من دونها.
لا شك بأننا – جميعاً – نكره الفاسدين، ونكره الظالمين، لكن هذه الكراهية مهما كانت مبرراتها، ومهما اتسعت حدودها، لا يجوز ان تحول بيننا وبين العدل،ولا يجوز ان تدفعنا الى الانتقام والشماتة، ولا الى التسرع في اصدار الاحكام واستسهال اطلاق الأوصاف والتهم.
مما يقتضيه العدل ايضاً الا نتطوع في الدفاع عن الفاسدين؛ فحق الدفاع له أهله من ذوي القسط، والا نقف مع الظلم او نتبنى أصحابه، فأسوأ ما يمكن ان يفعله احدنا هو التدليس على الناس لإيهامهم بأن الفاسد مظلوم، او بأن صوته المبحوح، وتهديداته العنترية يمكن ان تغطي على الحقيقة او ان تقلب موازين العدالة، او ان تقنع المستمعين بأن الفساد مجرد زوبعة في فنجان.
ثمة فرق كبير بين الدعوة الى اقامة موازين العدالة، لكي تشمل الجميع، ويشعر بها القوي والضعيف، وبين استغفال الناس – باسم العدل والانصاف – وثمة فرق اكبر بين من يصرخ بالصوت العالي: يحيا العدل حين تستقيم الأحكام على قاعدة الامانة والصدق والمسؤولية وبين من يصرخ: يحيا العدل وفي داخله صوت آخر يصرخ «يحيا الفساد»، هذا الأخير للأسف هو ما نسمعه اليوم في اكثر من مكان، وعلى اكثر من لسان.
رجاءً، اسمحوا للعدالة ان تأخذ مجراها، واتركوا لأهل القسط ان يقولوا كلمتهم، ولا تتركوا الفرصة لخبراء التدليس لكي يمارسوا مهمة الغواية والبكاء على الضحايا الفاسدين، او النكاية بمن يدعون لمحاسبتهم، فانتصارنا في جولة الاصلاح عنوانه الأهم هو العدل هذا الذي سيسمح لنا ان نتنفس هواء نظيفاً لا يكدره علينا أحد. ــ الدستور