Advertisement
مجد جابر :
عمان- تتسع دائرة "التنمر" في المدارس، التي طالما اقتصرت على مجتمع الطلبة ممن كانوا يمارسون سلوكا عدوانيا جسديا ونفسيا تجاه زملائهم، لتصل في مراحل أخرى إلى مجتمع المعلمين والإدارات المدرسية، بحسب خبراء، تساءلوا "كيف يمكن لمعلمين أو إداريين يمارسون التنمر محاربته بين الطلبة؟".

فرض السيطرة، والحفاظ على المكتسبات وظيفية، و"الأنا"، دوافع أساسية لآفة التنمر، ورغم أنها كانت ترتبط بمراحل عمرية معينة، سرعان ما باتت لغة الكبار في أماكن عملهم، وفق الخبراء، الذين استندوا في حديثهم لـ"الغد"، إلى ما حدث في جامعة آل البيت، وإحدى مديريات التربية، مشيرين إلى حالات كثيرة تحدث في غرف المعلمين عبر حوارات يسعى من خلالها كل معلم "متنمر" السيطرة على زميله بالتقليل من شأنه.

ويبين خبراء، أن المفارقة تكمن في أن يحدث التنمر بشكل عكسي بين معلم تجاه مدير جديد يحاول فرض حالة من التغيير لا يرغبون بها، وأحياناً حشد الطلاب والمعلمين ضده، لافتين إلى أن طبيعة العنف المرتبطة بمهنة وبيئة التدريس تأخذ الأشكال السابقة نفسها، وهي ذات خطورة كبيرة، كون متلقي الخدمة هم أطفال قد يتعرضون للعنف أو عواقبه بشكل مباشر أو غير مباشر.

هذا السلوك، تعرضت له ميسون (اسم مستعار) التي تعمل مديرة لإحدى المدارس الثانوية الحكومية؛ حيث تلاحقها باستمرار نظرات من الاتهام والتهديد والوعيد من قبل المعلمات في كل مرة كانت تحاول فيها الخروج من مكتبها للإشراف على أحوال المدرسة والصفوف.

ميسون، أصبحت تعاني ومنذ فترة من حالة "نبذ"، كما وصفتها، فالمعلمات يحاربنها بسبب توجيهها إنذارا لإحداهن، إثر قيامها بصرف الطالبات من الحصة قبل انتهاء الموعد وإخراجهن للساحة.

والقصة بدأت عندما شعرت ميسون بحالة من الفوضى في ساحة المدرسة، فخرجت لترى ماذا يحدث، لتجد طالبات الفصل كلهن في الساحة قبل انتهاء موعد الحصة، وعند سؤال مدرستهن عن السبب أجابتها بطريقة غير مستغربة "هدول بناتي وأنا بحدد الوقت المناسب لانتهاء الحصة".

ذلك الرد، أثار استياء المديرة ميسون، ووجهت إنذارا لها، ومنذ تلك اللحظة، قامت المعلمات بمقاطعتها والتعامل معها بأسلوب "سيئ" ضاربات كل قراراتها بعرض الحائط، عدا عن النظرات التي يلاحقنها بها كلما مرت لتفقد أحد الصفوف.

تلك المديرة واحدة من الحالات التي تتعرض للتنمر بأماكن عملها. وما حصل مؤخراً في مدرسة الفيصلية للبنين هو حالة أخرى من حالات تنمر المعلمين، والتي شهدت أحداث شغب وعنف من طلبة المدرسة في أول يوم دراسي احتجاجا على نقل مدير المدرسة. وتبين لاحقا أن ما حدث كان بتحريض من المعلمين، مما جعل لجنة الموارد البشرية في مديرية التربية والتعليم تقرر نقل معلمي مدرسة الفيصلية الثانوية للبنين واستبدالهم بطاقم جديد.

وغالبا ما تكون حالات التنمر بين الطلبة، أو من المعلم على الطالب، وأشكال كثيرة لا تنتهي للمتنمرين، غير أن تنمر المعلمين على بعضهم بعضا أو ضد مدير المدرسة، أكد وجوده الخبير التربوي لطفي العودة الذي تصل خبرته في قطاع التربية والتعليم الى 47 عاما.

يقول "إن تنمر المعلمين هو ظاهرة موجودة، إلا أنها في القطاع الحكومي أكثر منها في القطاع الخاص".

والسبب، كما يقول "أن المعلم بالقطاع الخاص قد لا يشعر بالأمان الوظيفي، في حين أنه في القطاع الحكومي متأكد أنه لن يطرد مهما حدث".

ويبين العودة أنه شهد كثيرا من حالات التنمر التي تحدث عندما يشعر المعلمون، على سبيل المثال، أن مدير المدرسة لا أحد يقف معه أو يحميه، فيتنمرون عليه وللأسف أن كل هذه التصرفات موجودة وبكثرة.

وأحياناً عندما يريد المدير أن يطبق قوانين معينة، خصوصاً إن تم تعيينه حديثا، يتعرض لتنمر من المعلمين من أجل استمرار الحفاظ على مكتسبات سابقة، مبيناً أن أساتذة الجامعات يتنمرون بكثير من الأحيان على رئيس جامعتهم.

ويعتبر العودة أن الحالات التي تحدث في الغالب، تكون تنمر معلمين ضد مدير، وليس معلمين ضد معلمين كونهم يتجمعون سويا، الا في حال قدوم مدرس جديد، فقد يخططون لإضعافه.

وفي ذلك، يذهب مدير موقع الأوائل، حسام عواد، الى أن التنمر المتعارف عليه يكون للدلالة على أن السلوك العداوني من الطالب تجاه زميله (جسدياً نفسياً)، ولكن هذا السلوك لا يقتصر على مجتمع الطلبة فقط، فهنالك حالات تشير لوجود التنمر بين مجتمع المعلمين والإدارات المدرسية.

وتحدث حالات التنمر، وفق عواد، حينما يحاول معلم فرض سيطرته على زميله لغايات متنوعة (فرض سيطرة، الحفاظ على مكتسبات وظيفية) وأحياناً بين معلم قديم بالمدرسة ومعلم جديد، أو بين معلم خبيرٍ ومعلم مستجدّ، فيحدث في غرف المعلمين حوارات تعزز سيطرة المعلم المتنمِّر على زميله بالتقليل من شأنه سخرية واستهزاء أو دفعه للقيام بمهام وواجبات غير مفروضة عليه.

إلى جانب ذلك، يحدث عندما يكون هناك محاولات للتقليل من صلاحيات الطرف الآخر، أو الحد منها، ما ينتج عنه في بعض الأحيان أن يقدم المعلم المتعرض لحالة التنمر استقالته، اذا لم يستطع الانتقال لمدرسة أخرى، وهذا التنمر الأفقي يمكن أن يُحد بوجود رقابة إدارية، إلا أن الأمر قد يأخذ منحى أعقد فيما لو كان التنمر رأسياً بين مدير ومعلم؛ حيث يستخدم المدير صلاحياته للإضرار بمعلم والسيطرة عليه وفرض الهيمنة لما يملكه من صلاحيات (بالتقييمات وفرض العقوبات)، ولكن المفارقة أن يحدث التنمر بشكل عكسي بين معلم تجاه مدير، بحسب عواد.

ويبين عواد أن الحالة قد تكون استثناء، إلا أن محاولة بعض المعلمين القدامى للإبقاء على هامش من السيطرة والحرية والحفاظ على طريقتهم في التدريس بدون تغيير، تدفعهم للتنمر ضد أي مدير جديد يحاول فرض حالة من التغيير لا يرغبون بها، وأحياناً حشد الطلاب والمعلمين ضد المدير.

كل تلك الأشكال من التنمر ستخلق عند "المتنمر" عليه حالة من الإحباط وضعف في الأداء الذي بكل الأحوال سينعكس على الطالب، ويعيش المعلم في بيئة متوترة وقلقة نفسياً مما تؤثر سلباً عليه.

وفي ذلك، يذهب الدكتور هاني جهشان مستشار الطب الشرعي الخبير في مواجهة العنف لدى مؤسسات الأمم المتحدة، الى أن تعريف العنف المرتبط بالعمل هو أي إيذاء جسدي، إساءة، تهديد أو ترهيب، يرتكبه المهني أو الموظف أو العامل ضد زملائه أو مديريه أو مرؤوسيه أو متلقي الخدمة أو ضد ممتلكات بيئة العمل.

هذا العنف يحدث في القطاعات الصحية والتربوية والاجتماعية والمالية والشركات والمؤسسات إن كانت عامة أو خاصة أو تطوعية.

ويشير جهشان الى أن طبيعة العنف المرتبطة بمهنة وبيئة التدريس تأخذ الأشكال السابقة نفسها، وهي ذات خطورة كبيرة، كون متلقي الخدمة هم أطفال فقد يتعرضون للعنف أو عواقبه بشكل مباشر أو غير مباشر.

ويبين أن هناك احتمالا أن يكونوا ضحايا نشر الإشاعات أو المزاح والمقالب أو يتعرضوا للضرر بسبب تكسير وتحطيم الممتلكات والأثاث والأجهزة، أو بسبب العنف الجسدي المرتكب ما بين المعلمين، وقد يتم إشراكهم في التآمر والتواطؤ لارتكاب عنف مخطط له ما بين المعلمين أو ضد إدارة المدرسة أو ممتلكات المدرسة أو الاشتراك في تعطيل الدراسة أو الإضراب عنها لغاية تهمهم بعيدا على مصالح الطلاب.

ويعتبر جهشان أن تطبيق النموذج البيئي لمنظمة الصحة العالمية لجذور العنف، على العنف الذي يرتكب من قبل المعملين، نجد أنه يتعلق بأربعة محاور رئيسية؛ أولها يتعلق بالثقافة السائدة التي تعظم السلوك العنفي وربطه بالقوة والرجولة، والثقافة السائدة بين مجموعات من المعلمين.

أما المحور الثاني فيتعلق بسوء البيئة المدرسية من ناحية الغرف الصفية وغياب التدفئة والتكييف وغياب الموارد المدرسية والأجهزة والمختبرات، بحيث تشكل هذه الظروف بيئة محبطة طاردة لمهنة التدريس، وأيضا هناك تدني رواتب المعلمين وغياب الحوافز والعمل في أماكن بعيدة عن سكنهم، ما يزيد لديهم دوافع العنف.

المحور الثالث، كما يقول جهشان، يتعلق بالعلاقات المهنية والإنسانية ما بين المعلمين والإدارة والطلاب، فقد تكون على شكل التنافس المهني السلبي ما بين المعلمين، والتعامل والتقييم غير العادل والنقل المزاجي من قبل الإدارة أو مديرية التربية أو الوزارة، ومنح الحوافز أو الترفيع بتخطي المعلم مقارنة مع زملائه، والانتماء لعلاقات صداقة أو مجموعات شلل أصدقاء تنبذ الزملاء الآخرين.

والمحور الرابع يتعلق بالصفات الفردية للمعلم، وتشمل قدراته المهنية والمعرفية وقدراته الفردية على التواصل مع الآخرين، أو معاناته من التوتر أو القلق أو اضطرابات الشخصية أو المشاكل الأسرية، كل تلك العوامل قد تؤدي الى تنمر المعلمين ورغبتهم في حدوث هذه السلوكيات.
 ــ الغد