Advertisement
نجحت الدولة الأردنية خلال سنوات الربيع العربي، ولازالت قابضة على زناد مواجهتها، في معالجة ظاهرتين أمنيتين من نتاج الربيع العربي وتداعياته وهما :
أولاً : منع عمليات التسلل لتنفيذ عمليات إرهابية مسلحة، عبر الحدود السورية والعراقية، من قبل تنظيمي داعش والقاعدة.
ثانياً : إحباط مخططات الخلايا الكامنة داخل بلادنا، وهذه نجاحات خارجية وداخلية تُسجل لمؤسسات الدولة الأمنية، إذ لولاها لدفع الأردنيون أثماناً باهظة من الأرواح والدماء والممتلكات وتردي المعنويات، ولكنها مقابل نجاحاتها في التصدي للتطرف والإرهاب السياسي بمختلف أشكاله وأفعاله، أخفقت الدولة الأردنية في معالجة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية وامتداداتها المظلمة المتراكمة وعجز حكوماتها المتعاقبة في متابعتها وإعطاء الأولوية لها وكف آثارها المؤذية، لأنها تحولت أو كادت إلى أفعال مستديمة من الخراب الاجتماعي، وقد تمثل ذلك في مظاهر متعددة من التمرد الفردي وعدم الانصياع للقانون المدني والعشائري، والعشائري هنا كان بمثابة تحكيم للمتخاصمين وأطراف الخلاف أمام ذوي الخبرة وبُعد النظر وحصولهم بالتراضي على مستحقاتهم، ولكن الظاهرة الأسوأ هي تغول نافذين عبر وسائل وأدوات غير نزيهة، أخلت بالمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص بين الأردنيين، وانعكاساتها التي ولدت بمظاهر عنفية تحت ضغط الحاجة وضيق ذات اليد، فواقعة الفساد في مستشفى البشير ليست فريدة، وغير معزولة عن نماذج مماثلة قد تكون معروفة، ولكن لم يتم فضحها لأنها لم تحظ بمسؤول شجاع وأمين كما هو مدير مستشفى البشير !!
المتابعون، المدققون، المراقبون يطرحون تساؤلات مشروعة وبقوة حول أمانة عمان، وباقي البلديات الكبرى مثل الزرقاء وإربد وغيرها المعبأة بالموظفين المترهلين ؟ وماذا بشأن مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، والصحف المثقلة بتركات رؤساء مجالس الإدارات وأعضاءها والمدراء ورؤساء التحرير السابقين حين كانت مؤسسات سائبة بلا أب يحيمها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من عجز ومديونية ؟؟ ماذا بشأن الوزارات المختلفة المحشية بالترهل والمؤسسات المستقلة التي يعمل لديها المحظيون من أبناء العائلات والوزراء والنواب والأعيان وأولادهم ؟؟ وهل الفساد المستشري بثقل الضخ الجهوي يقتصر على المؤسسات الرسمية أم تتخطاه نحو مؤسسات شبه رسمية يُفترض أنها تكسب، ومكاسبها تضمحل وتستنزف بالعمالة الزائدة مثل شركات الكهرباء والفوسفات والبوتاس والمياه، بل هل يملك القطاع الخاص شجاعة الاكتفاء وعدم الانحناء أمام قوة جهات جهوية نافذة خارج عمان، وفرض أتاواتها على المشاريع والمصانع الاستثمارية، كما يحصل مع مصانع الشمالية والراجحي والمناصير للإسمنت ومع غيرها، حيث تُفرض عليهم تشغيل مئات الحراس الذين يقبضون رواتب شهرية بلا عمل مفيد سوى ضمان عدم اعتدائهم على ممتلكات المصانع من طرفهم أو من طرف جيرانهم، فالمستفيد من الابتزاز يُخبر أقرانه من المتنفذين الجهويين أن هذا المصنع « لنا « أي أنه في حمايته وتحت وصايته، وتتم التقسيمات والتفاهمات بين المتنفذين المتنمرين، وكل منهم يأخذ نصيبه من المغانم والمكاسب التحصيلية.
الجبهة الثالثة المفتوحة داخلياً لا تقل سوءاً عن جبهتي المواجهة ضد التطرف والإرهاب، ولكن هذه تأخذ أشكالاً مختلفة من العنف المدني بأدوات من الابتزاز والضغط والأذى، ومعالجتها تحتاج لخلية عمل متفرغة تعمل على متابعة ظواهرها والتصدي لها قانونياً وأمنياً وشرطياً، فهل تفلح بمعالجتها قبل فوات الأوان ؟؟. ــ الدستور