Advertisement
هي نخبة جامعية تخرجت في جامعات وطنية عامة وخاصة، وجامعات عربية وأخرى أجنبية، كان يفترض بها، أو يتوقع منها قيادة الوطن والمجتمع إلى ما هو أعلى وأسمى. ولكنها للأسف قادته إلى العكس.
لماذا؟ لأن التنشئة والتعليم والإعلام وإدارة الدولة لم تكوِّن المواطن المؤمن بأن الدولة قائمة ومستدامة، وإنما كونت
اللا-مواطن المتعلّق بالعصبية بأشكالها ودرجاتها، والمستحوذة على عقله وقلبه التي صارت مرجعه لا الدولة أو القانون.
صار اللا- مواطن مسلحا بمستودع من التعصبات أو العصبيات: الدينية، والمذهبية، والعشائرية، والجهوية، (أو المناطقية) والجندرية، التي يُوظِف كلا منها أو يطلقها حسب الحال أو التحدي. إنها مجموعة من الأسلحة التي تفتك بالوطن/ المجتمع وتمزقه، وإذا كان التحدي وظيفيا رفعت سلاح المحاصصة في وجهه مدعيا أن العشيرة أو المحافظة لم تأخذ حصتها في الحكومة أو في مجلس الأعيان أو في وظائف الدولة. وإذا كان من الجنس الآخر نبذته. لقد وصل الأمر بكثير من أفراد النخبة إلى رفض تعيين أو انتقال رؤساء جامعات أو مديرين ومديرات أو معلمين ومعلمات أو غيرهم إلى محافظتهم، وان الوظائف فيها يجب أن تقتصر على أبناء المحافظة وبناتها، وإلا لجأوا إلى التحريض ضدهم أو إلى الاعتداء عليهم كي يخلو لهم الجو، والدولة تساير أو تطبطب، فيتضاعف الفساد.
ينسى هؤلاء أو يتناسون أن كثيرا من أبناء وبنات محافظتهم يعملون في محافظات أخرى، وأنه - حسب مقولتهم - يجب سحبهم منها إليها لينسجموا مع أنفسهم، وأن يكتفوا بتمثيلها في مجلس اللا-مركزية لا في البرلمان الوطني.
ومع أنهم من النخبة إلا أنهم لا يدركون أن الناس في المحافظة يطلبون الرئيس/ة أو المدير/ة أو المعلم/ة أو الطبيب/ة... الأفضل لخدمتهم أيا كان أصله وفصله ويفضلونه على ابنهم أو ابنتهم الأقل كفاءة في الإدارة أو في التعليم أو في الطب...
ومع هذا تتصرف النخبة في كل مرة بالعكس، فإذا شُكلت حكومة جديدة أو عُدلّت ولم يكن أحدهم عضوا فيها فإنه يفتح النار عليها. وإذا شكل مجلس أعيان فإنه يطخ عليه لأنه لم يكن واحدا من أعضائه. كما يشوش سابقون من النخبة من رؤساء وزارات أو وزراء... على اللاحقين ويحرضون عليهم زبائنهم في الحكومة أو في الوزارة أو في المدرسة أو في المستشفى.. ليفشلوا، ولا ينالوا التقدير الذي لم يحصلوا عليه.
كل واحد من النخبة يعتبر نفسه مكتفياً ثقافياً أو علمياً أو إدارياً وأنه الأولى بالفرصة أو المركز الشاغر، مع أنه يكون قد حصل على شهادته الجامعية بالغش، أو بالرشوة، أو بالشراء...
لقد فشلت التنشئة في الأسرة والعشيرة والمدرسة والجامعة والجامع والإعلام في تكوين المواطن الناعم الملتزم الذي يعرف ما له من حقوق دستورية وقانونية واجتماعية، وما عليه من واجبات. قلما نعثر على مواطن من هذا النوع، فالكل يقضم الدولة والكل يضيف إليها كلفته فتتهاوى أمام العيون دون أن نرى أحدا يسندها ويثبتها ويمنعها من السقوط حتى من أولئك الذين تربعوا فوقها وسمنوا من خيرها. إن النخبة معطوبة.
ومما يزيد الطين بلّة الانفجار السكاني المزدوج الذي لا يقابله انفجار إنتاجي بمقداره. لم تعد الموارد المحلية كافية لاستيعاب هذا الانفجار المتعاظم بالاستهلاك.
لقد قلت الفرص وصار الفوز بها للأقوى وليس للأصلح أو الأكفأ. وهكذا صار المواطن – إجمالا – خشنا فظا ومتوترا وعدوانيا، سرعان ما يستخدم لسانه، أو يده، أو عصاه، أو سلاحه ضد أخيه وربما بسبب أتفه الأمور. ولعل جزءا كبيرا من هذا يعود لغياب تعليم وتعلّم الفلسفة والمنطق والفنون الجميلة وبخاصة الموسيقى والرقص والغناء والرياضة... التي تهذب النفوس وتشذب الرؤوس.ــ الغد