Advertisement
من الانصاف لتاريخنا ونحن نتمتع بحرية التنقل وزيارة اي بلد نشاء ان نوثّق حقبة من الزمن قاسية كنا فيها ممنوعين من السفر الى دول بعينها حيث يُختم على جواز السفر ((الى كافة الاقطار باستثناء الاتحاد السوفيتي ودول اوروبا الشرقية)) ومعها احيانا دول أخرى، ولم يكن يجرؤ الا القليلون على مناقشة هذه الاجراءات المتعسفة التي فرضها «غلوب باشا» على الاردنيين كجزء من سياسة بريطانيا في محاربة الشيوعية في الشرق الاوسط اثناء الحرب الباردة بين الغرب والشرق، لكن الأمور بدأت تتغير بعد ان طرد الملكُ الحسين قائدَ الجيش وباقي الضباط البريطانيين في الاول من آذار 1956 اذ ألغت حكومة سليمان النابلسي المعاهدة الأردنية البريطانية في آذار من العام التالي 1957 وفي عام 1963 اقام الاردن أول علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي لكن السفر اليه بقي مقيداً بشروط مشددة وبعد تحقيق دقيق مع الراغبين في السفر، واستمر ذلك التضييق وسواه من انواع الحد من الحريات الى ان وقع الزلزال المروع في حرب حزيران 1967 وانهارت معه كثير من جدران الخوف، ومن تحت الرماد خرجت النقابات المهنية عندنا بانتفاضة شجاعة ترفض الهزيمة وتنكر اليأس وغامرت من دون الرجوع لأي جهة حكومية بتشكيل (التجمع المهني)الذي اجتمعت لجانه لدراسة اسباب الهزيمة بطريقة علمية رصينة واقتراح الخطط الضرورية للنهوض من الكبوة الفظيعة، وقد اطّلع جلالة الملك على نشاطه وباركه لدى استقبال قيادته في الديوان الملكي، ولم تمض سوى اسابيع حتى انضم له اتحاد نقابات العمال ثم تشجعت الاحزاب السياسية فخرجت من العمل السري الى العلن وانضمت اليه ومعها بعض ممثلي فصائل المقاومة الفلسطينية التي كانت قد بدأت تبرز على الساحة الأردنية وكان من الطبيعي أن يتحول التجمع المهني الى (التجمع الوطني) الذي انتخب سليمان النابلسي رئيساً له، وفي الجلسة التاريخية التي عقدها في مجمع النقابات المهنية للتوقيع على (الميثاق) فوجئ المجتمعون بجلالة الملك يزورهم ليستمع باهتمام الى آرائهم الصريحة في الشؤون والقضايا المطروحة بإلحاح.

في تلك الفترة وبالتفاهم غير المكتوب مع وزير الخارجية عبد المنعم الرفاعي آنذاك تشكلت (لجنة انقاذ القدس) برئاسة سليمان النابلسي وعضوية الزعماء الفلسطينين الذين ابعدتهم سلطات الاحتلال الاسرائيلي الى الأردن ومنهم الشيخ عبد الحميد السائح وروحي الخطيب وداود الحسيني وابراهيم بكر وكمال ناصر وفايق وراد وضمت اليها بعض اعضاء التجمع الوطني وكنت بينهم وكان من نشاطاتها ارسال الوفود لحمل وجهة نظر اللجنة في الدفاع عن عروبة القدس فسافرت مع سليمان الحديدي لمقابلة رئيسيْ جمهوريتي العراق ولبنان، ومع عيسى مدانات الى روما لحضور مؤتمر التضامن مع الشعب الفلسطيني، ومع جعفر الشامي واسماعيل محادين الى مهرجان الشباب العالمي في صوفيا / بلغاريا، وقد كانت مثل هذه الزيارات فيما مضى مستحيلة!

وفي العام التالي 1968 انفتح المجال أمام تأسيس جمعيات الصداقة مع الدول المساندة للقضايا العربية وكان في المقدمة جمعية الصداقة الاردنية السوفيتية برئاسة سليمان النابلسي وتبعتها جمعيات صداقة مع العديد من دول الكتلة الاشتراكية وكان من ثمراتها إرسال الآلاف من طلابنا للدراسة في جامعات تلك الدول وعلى نفقتها.. صحيح أن بعض العيوب شابت ذلك التدفق طلباً للعلم مثل الواسطة والمحسوبية والانتهازية لكن النتائج الايجابية كانت الاعم والاشمل..وفي الشهر الماضي احتفلت جمعية الصداقة الأردنية الروسية وريثة جمعية الصداقة الأردنية السوفيتية بمرور خمسين عاماً على تأسيسها فخورةً بما أنجزت وحققت.

وبعد.. كتبت في مذكراتي (بين الطب والسياسة) الصادرة عام 2010 كيف اختفى التجمع الوطني بعد عام 1970 وغابت لجنة انقاذ القدس، اما كيف صمدت جمعية الصداقة الأردنية السوفيتية (الروسية الآن) ونجحت في مواصلة تحقيق اهدافها فتلك قصة أخرى أتركها لغيري من المتابعين..ــ الراي