Advertisement
ديما محبوبة

عمان- أدوار الشر التي اشتهر بها على الشاشة الصغيرة، لا تتوافق مع قلبه الطيب والمرهف، وحساسيته العالية التي كانت السبب بقفزه من مشرحة كلية الطب، إلى الإدارة والعلوم السياسية ومن ثم مسرح الجامعة الأردنية.
هو فرج في العلم نور، والشيخ مناع في راس غليص، وشرير الشاشة، وبدوي أصيل، كلها شخصيات جسدها الفنان زهير النوباني في أعمال علقت في الذاكرة، جلعت منه واحدا من الأرقام الصعبة على الساحة العربية وليس الأردنية فقط.
زهير النوباني الفنان الأردني صاحب صوت مميز، جسد من خلاله الشخصية الكاريكاتيرية الأردنية الأشهر "أبو محجوب" التي ابتكرها الفنان والرسام الزميل عماد حجاج.
في بيت النوباني تجد دفئا قل نظيره، تبدأ من ابتسامته العفوية، وتقدير لكل ما حازه على مر السنين التي قضاها في الفن والثقافة، من شهادات وصور مع مسؤولين ومهرجانات، يتوسطها وسام ملكي على عطائه المتميز.
غرفة المعيشة ملأى بالمحبة والمودة، فيها ذكريات على هيئة صور مع زوجته مها وابنيه غيث وليث وزوجتيهما، وابنته الصغيرة الإعلامية ميس مع زوجها وأحفاده، هذه الصور شاهدة على طفولتهم وشبابهم وصور تخريجهم وحتى زواجهم ومع أطفالهم.
النوباني الذي ولد العام 1951، في قرية فلسطينية تدعى اللبن الشرقي تمتاز بسهولها وتلالها، انتقل إلى عمان بسبب طبيعة عمل والده في جهاز الأمن العام، لتصبح صلته في القرية خلال العطل الصيفية فقط.
أمضى طفولته في شارع المطران في جبل عمان، ثم انتقل مع أسرته إلى جبل القلعة ودرس في مدرسة الحسن البصري في جبل الجوفة، ثم انتقل لمدرسة الأمير حسن ودرس المرحلة الثانوية في كلية الحسين.
يصف النوباني نفسه أنه هادئ ومتأمل منذ كان صغيرا "كانت حياة القرية التي أعيشها في العطل تأخذ مني كثيرا وأيضا حياة العاصمة وجلوسي المستمر في مجمع السفريات الذي يأتي إليه خليط العرب، واللهجات الخليلية والكركية والشمالية والسورية والعراقية وغيرها، مما يجعلني أكتشف المزيد والمزيد وأعاشر الجميع"، فكان هاويا للسينما والأفلام.
مدرسته ومعلموه كان لهما دور كبير في صقل شخصيته، فلم تكن المدرسة فقط للتعليم، وإنما علمته محبة الحياة والأخلاق واحترام الناس، وهناك اكتشف الممثل في داخله لأول مرة على مسرح المدرسة وفي دور بسيط وتطور الأمر ليقدم أدوارا أكثر أهمية.
قصته مع المسرح بدأت عندما سأل معلم المدرسة طلابه من يحب أن يمثل في مسرحية فيرفع الطالب الصغير زهير النوباني اصبعه لأنه فعلا يحب التمثيل، ليرى أول خشبة مسرح حقيقية في المدرسة، فمثل دورا صغيرا جدا بجمل قليلة، لكن تنامت لديه موهبة الخطابة وإلقاء الشعر العربي بكل جرأة وفصاحة.
وبات يعيد على مسامع معلميه مرات عدة خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي الشهيرة بكل الجدية والصرامة التي عرفت بها هذه الشخصية، ثم توالت المسرحيات التي يمثل فيها على خشبات مسارح المدارس كالأمير حسن وكلية الحسين.
لم يكن النوباني طفلا عاديا، فبدأ العمل في عمر 12، رغم أن عائلته كانت متوسطة، فباع الكعك مع الزعتر، والألعاب والبلالين، وعمل في الخياطة وبيع البوظة، وتجارة الملابس، والخضار، وبيع العلكة.
يقول عن ذلك "كانت لي رغبات كأي طفل، أبسطها أن أشتري كعكتين وليس كعكة، فكنت أعمل، وبدلا من أن يكون مصروفي دينارا واحدا، كنت أحصل أحيانا على 30 و40 دينارا".
يفتخر بوالده الذي أعطاه كل الحب وعلمه الحق وأن "لا يتنازل لإنسان"، يقول "ففي العام 1967 عندما جاء الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية كنت هناك في بستاننا وجاء اليهود يريدون شراء الفاكهة مني فرفضت بشدة وطردتهم من بستاننا".
يؤمن النوباني بمقولة "لتكون فنانا عليك أن ترى بمستوى البصر والبصيرة"، وعندما اجتاز زهير مرحلة الثانوية العامة بمعدل (89) قررت عائلته إرساله لدمشق ليدرس الطب، وهناك لم يحتمل تخصص الطب ومشاهد الدم وغرفة المشرحة، ففقد وعيه، ثم عاد إلى عمان ليدرس الإدارة والعلوم السياسية.
في الجامعة الأردنية انخرط النوباني بحماس الفنان، في المسرح الجامعي كما تتلمذ مسرحياً على يد المخرج هاني صنوبر الذي تعلم على يديه أهم الممثلين الأردنيين.
عائلته الملتزمة دينيا رفضت الفن، حتى أن جده الشيخ مصطفى البشر لم يرض عنه لفترة طويلة وتبرأ منه لعمله في التمثيل، أما والده ووالدته فلم يجدا في التمثيل عيبا وأن المهم أخلاق ابنهما والرسالة التي سيقدمها من خلال تمثيله.
بعد فترة من الزمن جاءه اتصال عاجل من والده يطالبه أن يعود للمنزل فورا، ووجد جده ينتظره، وعند دخوله للمنزل رحب به وناداه بـ"الأستاذ"، مما سبب صدمة للجميع، وإذا بصيته يصل لفلسطين، بأدواره، وبات يعرف جده بأنه "جد زهير النوباني"، رغم شهرته وقدره الكبير، فتأكد أنه رجل صالح ومحترم في مهنته.
بعد ذلك اقترب النوباني من التلفزيون الأردني؛ إذ اشترك في مسلسل (صح النوم) لدريد لحام فقط بكلمتين، ثم بدور قصير جدا في مسلسل (نمر بن العدوان) من إخراج صلاح أبو هنود؛ ألا وهو دور صباب القهوة (حاضر يا عمي تؤمر يا عمي)، وكذلك الدور ذاته في مسلسل (السيف) مع نبيل المشيني العام 1976.
بعدها يشترك مع المخرج عروة زريقات في مسلسل (الكنز) في دور أكبر قليلا مع الفنان محمود أبو غريب، وفي عمر 22 بدأ الاشتراك بدور الشرير، وتوالت الأعمال والنجاحات بأعمال عديدة (تل الفخار)، (الوحل)، (حدث في المعمورة)، (الطواحين)، ثم المسلسل الكوميدي الشهير (العلم نور) ثم (معقول يا ناس) مع الفنان الشهير حابس العبادي وإخراج محمد يوسف العبادي.
يقول "هكذا انتشرت أعمالنا نحن الممثلين الأردنيين في أرجاء الوطن العربي.. ونلنا الجوائز والتكريم في العديد من المهرجانات العربية في شرق الوطن العربي وفي غربه"، لكن النكسة التي أصابت الوطن العربي بعد حرب الخليج أثرت على الفن الدرامي الأردني وتراجعت أوضاعنا جميعا الى الخلف.. فالسياسة والحروب تؤثران سلبا على الفن أيضا.
يتحدث النوباني عن الأوضاع الفنية في الأردن اليوم والتي تراجعت نتيجة سوء الإدارة، الأمر الذي أفقدها مكانها في الدراما العربية، وحصرت شهرتها في العمل البدوي، على الرغم من أن الكفاءات الأردنية تصدر للخارج من ممثلين ومؤلفين ومخرجين وحتى مصورين وإضاءة.
يبين "نحن للأسف غير قادرين على صناعة النجم، فبعد التسعينيات لم نستطع الوصول إلى النجومية الحقيقية وصناعة نجم أردني كما يستحق".
ويقول النوباني "دائما أعمل بروح التلميذ وأتعلم الجديد"، فلديه الآن مشروع مسلسل "جلطة"، ومع فراس علقم مسلسل "حيتان البحر الميت"، ومع منذر رياحنة وصبا مبارك، بالإضافة إلى مشروع مسرحي رمضاني مع الفنانة أمل الدباس، ويعمل حاليا على مشروع خاص، هو إطلاق موقع الكتروني للمواهب الأردنية، من خلال عرض فقرة "زهير شو".
أشهر أعماله: المسلسل الأردني الكوميدي "العلم نور"، "سلطانة"، "امرؤ القيس"، "دعاة على أبواب جهنم"، "آخر أيام اليمامة"، "الضمير العربي"، "المرابطون والأندلس"، "الطريق إلى كابول"، "خالد بن الوليد"، "الظاهر بيبرس"، المسلسل البدوي "وضحة وبن عجلان".
وشارك في العديد من المسرحيات منها "الحمار الراقص"، ومسرحية "رسالة من جبل النار"، مسرحية "مدينة أبو الفضول"، مسرحية "عطشان يا صبايا"، مسرحية "البلاد طلبت أهلها"، مسرحية "مواطن عربي"، كما أنه تألق في تقديم سكيتشات شخصية أبو محجوب الأردنية بصوته.
ونال الفنان زهير النوباني تكريما من الأسرة الثقافية في مقهى الأوبرج، التي تحتفي بتكريم فعاليات مهمة أردنياً وعربياً بمناسبة مرور أكثر من 60 عاماً على بدء المقهى كمكان للثقافة الاجتماعية والشفاهية والترفيه. ــ الغد