Advertisement
كنت في بغداد، عام 1992 ،وقد بدأت آثار الحصار تظھر جلیة على العراقیین، من تجویع وحصار وقلة دواء، ومن حي الى حي، كنا نجول في المدینة، وبرفقتي صحفیون أجانب وعرب، یكتبون قصصھم عن العراق.
ذات لیلة، قرأت نصا مكتوبا لصحفي بریطاني، لم یرسله الى لندن، وكان ینتظر مغادرة العراق، حتى یبرقه الى صحیفته، وكان أكثر خبرة مني، وانا في سنتي الأولى، صحفیا، واثار انتباھي یومھا، كتابته عن الروح المعنویة للعراقیین، و انھا منخفضة جدا، فسألته كیف عرفت ذلك، وانا معك في كل الجولات، ولم ارك تسأل عراقیا واحدا عن حاله واحواله، فكیف استنتجت كل ما كتبته ھنا؟
اجابني بكل ثقة، ان الصحفي الأجنبي، في بلد محكوم امنیا بقسوة، وخارج من حربین للتو، الحرب العراقیة الإیرانیة، وحرب الكویت، لا یمكن ان یفترض ان ھناك عراقیا واحدا قادر على تقدیم شھادته، وعندھا تكون بصیرة الصحفي، بدیلا في مثل ھذه الحالة الحساسة بكل مخاطرھا أیضا.
افاض علي من خبرته وقال: ھل رأیت عراقیا واحدا في الأسواق، قد حلق ذقنه في الصباحات التي كنا نجول فیھا في الأسواق، اجبته بلا، ھل رأیت عراقیا واحدا قد ارتدى قمیصا بكل اناقته، او تم كویه كما یفترض، اجبته بلا، مع وجود قلة ھكذا، ھل رأیت عراقیا واحدا لا یمشي مضطربا، او مشتت الذھن، او قد احنى ظھره، اجبتھ بلا، مع وجود قلة مستثناة، سألني ھل رأیت عراقیا واحدا لا یرتسم على وجھه غضب او ضیق او كآبة، اجبته بلا؟!.
اسكتني لحظتھا وقال یا فتى، علیك ان تقرأ لغة الجسد، حین تغیب الحوارات، وتستحیل المكاشفات ، لاسباب سیاسیة او اجتماعیة او امنیة، وانا متأكد من ان الروح المعنویة للعراقیین ھابطة، وفى ادنى مستویاتھا.
علمتني ھذه التجریة الكثیر، في مھنتي، وإذا كنا في بیئة كما الأردن، تعد مختلفة تماما، فلا حصار علیھا كما ھو مفترض، الا ان تلك القصة تركت علي اثرا كبیرا، في قراءة الناس، والتقاط الفروقات، وقراءة اللغة الصامتة التي تتجلى في تصرفاتھم وحیاتھم بوسائل مختلفة، فتعرف ماذا یقولون دون ان یقولوا ذلك؟.
قبل أیام ذھبت صبیحة یوم سبت الى وسط البلد في عمان، وبرغم اننا جمیعا قد لا نغیب كثیرا عن ھذه المنطقة، الا انني لأول مرة، المس حالة مختلفة بین الناس، من سائق التاكسي الذي صعدت معھ ذھابا الى وسط البلد، الذي امضى الطریق وھو یشتم كل شيء یعرفه، من زوجته وجاره وصاحب التاكسي، وحفر الشوارع، وكثرة المخالفات وصولا الى الحالة العامة بین الناس وسط البلد.
وجوه مكفھرة، اصحاب المحلات التجاریة یقفون على أبوابھا، وقد ارتسم الیأس على وجوھھم، اعداد الناس في وسط البلد قلیلة، تدخل مطعما فیكاد صاحبھ او من یعمل فیھ، ان یضربك اذا سألته طلبا اكثر من مرة، كل الذین یتناولون طعام افطارھم في قاع المدینة افرادا او عائلات، في حالة تخشب وتعب، لم یبددھا ھذا المشوار الى مكان جدید، باعة الكتب لا یفعلون شیئا، والكتب تحولت اوراقھا الى صفراء، جراء قلة الاقبال، طریقة مشي الناس في وسط البلد،
مضطربة، وكأنھم في حالة تیه، اغلب الناس یعانون من تشتیت الذھن، او السرحان.
الباعة الصغار، یصرخون ولا احد یتوقف عندھم حتى من باب الفضول، وحتى التاكسي الذي یعیدك الى بیتك، لا یختلف عن سابقھ، فالكل یتحدث في الموبایلات، لكن صاحبنا في رحلة العودة، یصرخ على زوجته كل قلیل، بسبب فاتورة الكھرباء، او یقطع مكالمتھا لیھدد شخصا اخر، احتال علیھ بدین قیمتھ عشرون دینارا، ولایترك مفردة سوقیة، او محرمة أخلاقیا الا ویقولھا.
تعود من وسط البلد، وقد تضاعف تعبك، فھذه ھي روح المدینة، والذي یجول فیھا لساعات یدرك ان الروح المعنویة للأردنیین منخفضة، وان التعب بلغ اشده، وان الحیویة اختفت، بسبب الظروف الاقتصادیة، وكثرة الالتزامات، والدیون، والمخاوف من المستقبل.
تسأل نفسك، اذا ما كنا امام حصار من نوع آخر یفرضه علینا العالم، دون ان یعلنوا ذلك صراحة، مادامت أحوال الناس قد وصلت الى ھذه الحالة الصعبة التي لا نجد لھا حلا، سوى بمزید من أغاني الحرب الصباحیة، وكأنھ ینقصنا توتیر فوق ما فینا من توتر، اشتھرنا فیه، او استجد علینا. (الغد)