Advertisement

السفير السابق زياد خازر المجالي 

من بين أمور أخرى تعلّمتها خلال أكثر من أربعين عاماً في العمل الدبلوماسي تخللها اضطراراً - بحكم موقع العمل في بعض الأحيان - الولوج إلى العمل السياسي ذاته، أن المعارضة السياسية ظاهرة صحيّة، وقد تأتي بنتائج إيجابية إذا كانت هذه المعارضةُ هادفةً وعلى أسس موضوعية، لا تنتهك قواعد الدستور والقانون، فتضيء لصاحب القرار  جوانب ربما كان يغشاها بعض الظل، سواءً كان هذا الظل عفوياً أم مقصوداً.

وتعلّمت أيضاً أنني ما لم ابتعد عن اللوحة قليلاً وما لم أرَها بالمجمل، فسيصعب عليّ تحديد جماليتها أو عيوبها.

وقياساً على ذلك، فإن الحدث السياسي وخاصة في عالم اليوم المترابط معرفياً بفعل التطور التكنولوجي، تكون قرائتي له ناقصة ما لم اوسّع دائرة البحث، وكلما كانت الدائرة أوسع، أستطيع تحقيق الرؤية الأوضح والقراءة الموضوعية التي تؤهل إلى معرفة العلل، والقدرة الأفضل على التشخيص ووصف العلاج.

وقياساً على هذا الفهم، فإنني عندما ناقشت عام 2011 بعض الشباب من أقاربي ذوي التوجهات الاسلامية الذين كانوا ينوون حينها المشاركة في مظاهرات دوار الداخلية وعارضتهم في توجههم هذا، وكان حواري معهم على مستويين، الاول: أن الربيع العربي وظروفه وجغرافيته التي امتدّت من تونس لتصل إلى عواصم عربية أخرى يجب أن لا يعني بالضرورة استيراده للأردن، والحركة الاسلامية تحديداً كان من الواجب أن لا تسير بهذا المنحى لأنها كانت منذ الأربعينيات على توافق ووئام تحت المظلة الهاشمية، ودون الدخول في تفصيلات عديدة، فقد كان التأثر بلهيب الربيع العربي ومحاولة نقله للأردن يمثل نكراناً للجميل ليس من صفة المسلم الحق، والحمد لله أن الحركة الإسلامية أدركت مبكراً مخاطر محاولة زج الاْردن في برنامج الفوضى (غير البناءة).

والمستوى الثاني، فأختصره الآن بقولي آنذاك إنه لا يمكن فصل أحداث دوار الداخلية عما كان يدورُ في عواصم عربية، والأهم من ذلك أنه لا يمكن فصله عن اللوحة الأكبر، وكل دوائرها ودواويرها منذ سقوط جدار برلين وتنبؤات (هنتنغتون) والفشل المتواصل في العودة إلى مفاوضات موضوعية لتحقيق السلام - وفق ما كان مرجواً منذ عقدين من الزمن في مؤتمر مدريد وما تلاه-، ولا فصلها عن أفكار كانت تتبلور داخل بعض اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي كان يرى في ولادة دولٍ إسلامية (على أساسٍ ديني) في العالم العربي، سيكون مبرراً موضوعياً لولادة فكرة يهودية الدولة الإسرائيلية، مع تبعات ذلك على مجمل عملية السلام.

وبعد، وكمعظم الأردنيين تلقيت من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ما قيل إنها رسالة مفتوحة إلى جلالة الملك، وزبدة مضمونها ما أشارت له الرساله أنه بيان مؤرخ في شهر تشرين الأول الماضي باسم (لجنة المتابعة الوطنية)، وأعترف أنني قرأت تلك الرسالة عدّة مراتٍ ولست في موقع تبني أو دحض معظم ما ورد فيها، مع قناعتي أن القانونَ في كلّ الدول يسمحُ لأي متضررٍ أن يُقدّم شكوى لدى النيابة العامة ضد أيٍ كان، لكني مع ذلك تساءلت وأنا لا أتبنى نظرية الألوان والخطوط الحمراء منها: هل تجاوزت لغة الرسالة روح الدستور والقانون؟ هل قفزت فوق القيم والتقاليد والعادات المتعارف عليها في مخاطبة قيادتنا الهاشمية؟ هل تجاوزت اُسلوب ونهج هزاع ووصفي رحمهما الله وغيرهما من القيادات الوطنية التاريخية المُخلصة التي أنجبتها الاْردن؟!

إن غالبية الأردنيين استدركت بعد عام 2011 أن معظم الربيع العربي كان الهدف منه خلق فوضى لها مغازي باتت تتضح فعلاً منذ العام الماضي، لذلك استدرك الاردنيون، وعلموا أن المحافظة على بيتنا الأردني مما أصاب وللأسف أشقاء حولنا هو غاية وطنية، وهكذا كان وبحكمة قيادتنا حافظنا على مركبنا وسط هذه الأعاصير.

ومع ذلك، فهذا لا ينفي أهمية رفع الصوت حول كل المساوىء من فسادٍ متمدد إلى ظروف اقتصادية صعبة للغاية، والموضوعية كانت تقتضي أن لا يتم استغلال هذه الصعوبات من قبل البعض، خاصة وأنه من المعروف أن معظم عللنا الاقتصادية هي ناجمة عن ظروف إقليمية ودولية، وهذا لا ينفي ضرورة التأشير على الفساد تمهيداً لقطع دابره، أياً كان شكله أو مكمنه، وهذا ما صرح به جلالة الملك أكثر من مرّة وأكّد أن لا أحد فوق القانون، إذاً فليقم أصحاب الامر بتنفيذ أوامر جلالته والتي كرّرها أكثر من مرةٍ آخرها في خطاب العرش السامي.

نعم، كررت قراءة الرسالة المطوّلة التي تلقيتها كغيري من الأردنيين، وأحسست أن ما أشير إليه بمسمى (لجنة المتابعة الوطنية) – مع كل احترامي للذوات أعضائها الذين لا أعرفهم – استعملوا لغة هي أقرب ما تكون لغة مجلس قيادة ثورة.

وفِي إطار هذه الإحساس، تساءلت وبعيداً عن مظلة الدستور التي تحكمنا جميعاً وهي أيضاً التي تحمينا جميعاً، خاصة في فوضى الأعاصير الدولية الحالية : ألم يكن يستحق جلالة الملك ممن يمتهن العمل والفكر السياسي في أردننا ان يكون داعماً لجلالته في هذه المرحلة التاريخية الحساسة التي قال فيها بكل إباء وشمم وإخلاص للإرث القومي الحقيقي ولرسالة الاْردن الهاشمي، قال فيها : " لا " ، وكان صريحاً مع شعبه عندما قال: رفضنا عشرات المليارات، فإرادتنا ليست للبيع، وكان لسان حال جلالته: الجوع والموت ولا المذلة، وكان بذلك على درب أبيه -رحمه الله-.

في الحقيقة لا أشكّك في وطنية أيٍ ممن اعتبر نفسه عضواً في (لجنة المتابعة الوطنية) أو في حُسن نواياهم، ولكني إضافة لرفضي التعابير التي استُعملت في الصياغة، فاني أضمّ صوتي لصوت العديد من الأردنيين الذين يتساءلون (أين كان هؤلاء عندما كانوا على رأس عملهم بداية؟) و(لماذا في هذه اللحظة وفي هذه الأيام ارتفعت أصواتهم؟)، إضافة إلى ذلك فإنني أشكّ في أن قدرتهم قد خانتهم في قراءة الوضع الأردني في إطار اللوحة الأشمل الإقليمية والدولية، وفِي إطار المخططات التي لدى بعض الدوائر التي تستهدف الاْردن وإضعافه لتحقيق مآرب كبرى على حسابه وعلى خطه السياسي، وحتى على كينونته السياسية -لا سمح الله-.

ومن جانبٍ آخر، فإن البعض القليل داخل مجتمعنا قد يفهم ببراءة وعن غير قصد أن مثل ما ورد في الرسالة ومضمونها (بيان لجنة المتابعة) هو دعوة لهم لأخذ القانون بيدهم، أو التمرد على القانون والنظام لدرجة استعمال السلاح، الأمر الذي يُهدّد سلمنا المجتمعي، وبعض الأحداث على ساحات الوطن باتت تؤشر إلى هذه المخاوف.

آمل أن تكون كلمة جميع المخلصين في الاْردن - ومن أجل أبنائهم وأحفادهم- أننا لن نقبل ولن نمرّر لمن يريد أن يضعف الاْردن، وعلى القوى السياسية الفاعلة العامة والخاصة عاملين ومتقاعدين، أن يقفوا صفاً واحداً ويكون تفاعلهم إيجابياً في الغاية والأسلوب.

والأهم، أن نرى وندقّق في كل تفاصيل المشهد من نيويورك وواشنطن مروراً عبر أوروبا (ووارسو) وصولاً إلى مشرقنا، وشرق مشرقنا.

رسالة الاْردن كبيرة، أدركها الهاشميون وأجدادنا منذ البدايات، وعلينا أن نصون الرسالة ونربي ابناءنا على صَونِها والدفاع عنها.