Advertisement

الدكتور رشيد عباس

كان خبر رحيل الكاتب الاردني الساخر صالح عربيات رحمه الله صدمة ونكسة اعلامية حقيقية على امتداد مساحة الوطن, فقد حملت مقالاته الساخرة الجميلة جميع فنون وابداعات ومهارات الكتابة الجادة والتي قلما نجد نظير لها على مستوى الوطن العربي بأسره,...كنتُ كغيري من القرّاء الشغوفين المترقبين لتلك المقالات في زوايا الصحف المحلية وعلى صفحات وكالات المواقع الالكترونية لحظة بلحظة لقراءتها, تلك المقالات التي اطاعت حروفها العربية دون استثناء الكاتب الراحل صالح عربيات, وانضبط القلم منصاعا بين يديه دون تململ او تأخر على اوراقه البيضاء, وانحنت هموم وقضايا الوطن والمواطن تائبة خجولة. 

كان كاتباً اعلامياً ساخراً بالمعنى النقدي, وكان مبدعاً في طرح قضايا المتعففين من الناس, شجاعاً كشجاعة تلال السلط المتقابلة وكهضابها المتهامسة, كان متواضعاً كتينة واسعة مرتفعة القت على ناظرها تينا جنيا, كان يكتب وكأنه يعيش مع الفقراء المسحوقين, وكان يكتب وكأنه ينتصر لأخيه ظالماً او مظلوماً,...كتب في صحيفة (العرب اليوم) شابا مبكراً وغادرنا حين سلّم الامانة شابا مبكراً ايضا, انه قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره,...كان اخر مقال لفقيد الصحافة الساخرة الكاتب الراحل صالح عربيات رحمه الله في صحيفة العرب اليوم مقال بعنوان: (البلد في انكماش). 

كان كاتباً ساخراً, بمعنى انه سَخِرَ من الذين ظلموا البلاد والعباد, وسَخِرَ من الذين اكلوا حقوق البشر, وسَخِرَ من الذين لعبوا (الثلاثة اوراق) على الاخرين, وسَخِرَ من الحيتان البشرية التي خرجت من البحار الهائجة,...وسَخِرَ من ضرّيبة ولوّيحة (بتشديد الراء والواو) مناسف النفاق, وقاتل بنفس سلطّية أولئك المحتالين والمحتكرين والجشعين في مجتمعنا, ودخل على المتمردين من البشر وفضّ احلامهم وفضحها, حارب المنكرات بقلمهِ البسيط هنا وهناك وذلك اضعف الايمان, وقال خيراً (كلمة حق) حين صمت اغلبية البعض. 

لن يغيب امثاله من المدافعين عن رغيف الخبز المستدير, ولن يغيب امثاله من المقاتلين عن المنقوصة حقوقهم, ولن يغيب امثاله من الداعمين لليتامى والمحرومين, فقد اسّس رحمه الله لإعلام ساخر لن يموت, حتى لو غادر بروحه الطاهرة ساحة الاعلام المأسورة, فهناك مئات الكتّاب (الصالحين) على خطاه وعلى نفس الطريق التي سار عليها,...بقي ان نقول رحم الله (صالح عربيات) رحمة واسعة, وإنا لله وإنا إليه راجعون.