Advertisement

تاج الدين عبدالحق

برحيل الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، تفقد جماعة الإخوان المسلمين السهم السياسي الأخير الذي كانت تصوبه على النظام في مصر. فقد كانت الجماعة قبل وفاة مرسي قادرة على مخاطبة كثيرين، في الخارج وفي الداخل، باسم شرعية الصناديق التي جاءت بالرئيس الراحل، قبل أن تسقطه قوى الشارع.

منذ ذلك الوقت، اهتمت الجماعة بشكليات الديمقراطية، دون أن تفطن أن الديمقراطية منظومة كاملة، ولا تعني بحال صندوق الانتخابات فقط، كما أن النجاح في الوصول إلى الأغلبية لا يسوغ لها الانفراد بالسلطة على حساب شركائها في الثورة .

وطوال مدة مطالبتها باستعادة الشرعية الانتخابية، كان ذلك الخطاب كافيًا لمن يختزل الديمقراطية بالانتخابات، ويجعل من نتائج الصندوق سلاحًا، لا في وجه الخصوم فحسب، بل في مواجهة الحلفاء والشركاء في الثورة أيضًا.

ظلت الجماعة طوال سنوات سبع تعتبر نتائج الانتخابات ذريعة لإلغاء الآخرين، سواء أولئك الذين خلفوها في السلطة، أو الذين شاركوهم في ثورة 25 يناير عام 2011.

لم تكن الحلول الوسطى على مقاس تطلعاتهم لسلطة مطلقة بدأت إرهاصاتها عندما بدأوا– بعد الانتخابات عام 2012 – بالتغول على مؤسسات الدولة والتسلل لأجهزتها المختلفة.

وحتى القوى التي شاركتهم في الثورة وتحملت فاتورتها الأساسية لم تكن قادرة على قطف ثمار تغيير ساهمت في صنعه، واستحقاق دفعت مخاطره .

فعلى عكس الثورات الشعبية التي تشارك فيها شرائح سياسية مختلفة وينتج عنها تحالف ثوري عريض، فإن الأغلبية المحدودة التي حصدتها الجماعة في انتخابات الرئاسة كانت كافية لإطلاق مطامعها في السلطة، والتنكر لشركائها في الثورة، فتراجعت عن وعودها بعد أن لوّحت لهم بشراكة سياسية لم تتحقق، وانفردت بالرئاسات الثلاث: الجمهورية والحكومة والمجلس التشريعي، لتبدأ من ثم الزحف على مؤسسات الدولة في مشروع لأخونة مفاصلها، وفرض وصاية سلطة دينية كان يمكن أن تستمر عشرات السنين، دون أن يكون في أفق تلك السلطة ما يشير إلى أنها مستعدة للتداول أو التنازل، إلا في نطاق الجماعة، وبأسلوب السلطة الدينية في إيران، التي انفردت بالحكم هناك منذ عام 1979، وأطاحت بشركائها من الأحزاب الأخرى واحدًا بعد الآخر، ليكون مصير من نجا من القتل النفي والإبعاد.

لم يكن في مصر من يتحمل هذا المصير المرعب، وكانت مصر على مفترق طرق بين تجربة ديمقراطية ليس فيها من الديمقراطية إلا نتائج الصناديق، أو العودة للشارع مجددًا لرسم خارطة طريق جديدة ترضي الجميع وتعبّر بالفعل عن آمال الأكثرية.

وكانت العودة لخارطة طريق جديدة مكلفة ودامية، لكنها لم تكن خيارًا، بقدر ما كانت ضرورة استشعرها الشارع المصري في ذلك الوقت، وتحرك من أجلها، إلا أنه قوبل برفض الجماعة ذلك الخيار، وكل الحلول الوسطى، وتمسكها بنتائج الصناديق كسبب للعناد وذريعة للإبقاء على كامل السلطة.

وحتى الذين تحالفوا معها في ثورة 25 يناير من القوى السياسية المدنية انفضوا من حولها، ليصبح حلفاء الأمس أعداء اليوم، وبقيت الجماعة وحيدة فيما السرب يغرد بعيدًا في اختيارات لم يحسب لها الإخوان حسابًا.

كان يمكن للرئيس الراحل محمد مرسي وجماعته أن يغيّروا المعادلة السياسية، لو كانوا مستعدين لقبول ديمقراطية حقيقية تتجاوز الانتخابات ونتائج الصناديق، لكنهم اعتقدوا بتمسكهم بما أسموه شرعية الصناديق أنهم يملكون شيفرة السلطة وسرها، وأن العالم الخارجي الذي راهنوا عليه سيهرع لإنقاذ مشروعهم، ولم يفطنوا إلى أن مطامعهم في سلطة دائمة كان يُسمع صداها بشكل أوضح من صدى مطالبتهم بشرعية الصناديق.

برحيل محمد مرسي تفقد جماعة الإخوان أملها المستحيل بالعودة للسلطة، وتنزع عن نفسها رداء شرعية لم تستطع المحافظة عليها، ولا حتى التذرع بها، لتبقى من التجربة كلها مرارة قد تطيح بالبقية الباقية من إرث الجماعة وتاريخها .