Advertisement

د. منصور محمد الهزايمة
تماما كما الشجرة التي تصمد أمام جميع الأنواء من رياح وأمطار وعواصف هوجاء، لا تقع ولا تنهار، تساير قليلا لكنها تنهض شامخة تعانق السماء، تقاوم كل ما يهب عليها، -فجأةً- يُصيبها الوهن والهزال، دون أن يحس بها أحد، لكن المؤسف -هذه المرة- أنها سقطت بفعل الهوائم الصغيرة التي يمكن أن تُفرك بين الإبهام والسبابة، تماما هذا هو حال الإنسان، فإنه يصمد أمام أعتى العواصف، لكنه كثيرا ما يستسلم للتوافه من الأمور، التي تجلب له القلق، فتأتي على صحته، وتشوش عقله، وتطفئ روح الحماسة لديه.
كثيرا ما ينشب الإنسان في دوامة يصعب الخروج منها، وهو يجلد ذاته بين ماضٍ تولى، وغدٍ متوهم، وهو بذلك لا يتسنى له الإمساك بيومه، يقضي عمره القصير يبكي اللبن المسكوب، ويحلم بالعسل المصبوب، ومن ثم يحصد القلق الدائم الذي يسبب له أمراضا شتى مثل: قرحة المعدة، وارتفاع الضغط، والسكري، وأمراض القلب، وأقلها أن يخطّ الزمن اخاديدا في الوجه.
يدفع الإنسان ثمنا باهظا للقلق، ويسعى إليه دون أن يُعمل عقله بما يجنيه على نفسه، وهو بضاعة نافقة يطلبها الصحيح والسقيم، كما الغني والفقير، وتجدها لدى البسيط والزعيم، والصغير والكبير، فالجميع يعاني هذه الآفة التي تفتك بأرواحهم وأجسامهم، لكن القليل منهم من يدرك ماذا يجنى على نفسه، بحيث يركل القلق بعيدا عن قلبه وروحه.
قليل من يقدّر قيمة أن يسيطر الإنسان على مشاعره، ويتحكم بداخله، ولا يتعلق ذلك بعمر أو علم أو منصب، فتجد زعيما يقع فريسة القلق، الذي يورثه شتى الأمراض فلا يحسُّ بمتعة الحياة، بينما نجد مزارعا بسيطا ينام ليله، ويمسك بيومه، وينعم في بساطته، فالإنسان قد يستسلم -تماما- لما يفضي إلى القلق؛ لفقدان جاهٍ، أو أبنٍ، أو عملٍ، أو مالٍ، أو بسبب مرضٍ أو خسارة، وهكذا فإن القلق يبدد حياته ، وينغص عليه عيشه، وهو يدرك أنه لا يمتلك القدرة على تغيير الواقع من حوله، بقدر ما يحتاج أن يشعل جذوة التغيير في داخله، ويخطئ من يظن أن التعاسة أو السعادة تكون بأسباب خارجية، بل هي تنبع من الذات، فأنت بنفسك تصنع جحيمك أو جنتك.
يقول الشاعر الإنجليزي الضرير جون ملتون "في وسع العقل أن يخلق، وهو في مكانه مقيم، جحيما من الجنة، أو جنة من الجحيم"
عندما يُعلن عن انتشار وباء في مكان ما، وتقع إصابات محدودة، تقوم الدنيا ولا تقعد، وتهرع الناس إلى المشافي للتطعيم، وقد تعد حالات الوفاة على الأصابع، لكنها تثير قلقا عظيما لدى السلطات والناس، في الوقت الذي ينتشر بينهم القلق والسأم والاكتئاب جرّاء ما يحمّلون أنفسهم ما لا يطيقون، فكثرت أمراض العصر التي تفتك بأعدادٍ كبيرة من الناس، وعلى رأسها ما يصيب قلب الإنسان المثقل بالهموم.
يعتقد معظمنا أن تحقيق الإنجاز في الحياة، أو النجاح في العمل، أو جمع الأموال، أو توفيق الأبناء قد يجلب السعادة، لكننا نتفاجأ أن ذلك كله لا يزيد عن كونه وهما وسحابة صيف، بل ينتعش الوهم في عقولنا عندما نعتقد أن الآخرين هم من يمنحونا السعادة، أو يجلبون لنا التعاسة، من شواهد ذلك، هذا نابليون الذي حقق أقصى ما يطمح إليه إنسان من المجد والجاه يعترف انه لم يرَ السعادة في حياته قط، على النقيض منه تتفاخر هيلين كيلر أنها استمتعت بمباهج الحياة، وجمالها، وهي العمياء الصمّاء البكماء.
تُفسّر سطوة القلق علينا بإننا لا نفكر بما لدينا من نِعم، بقدر ما نفكر بما ينقصنا، ونصور ذلك على أن حياتنا لا تستقيم دونه، يقول أحدهم: كاد القلق يبددني هباءً، لأن قدماي افتقدتا حذاء، إلى أن صادفت من يومين شخصا بلا ساقين"
يُروى أن القساة من القادة الصينين القدماء كانوا يعذبون أسراهم بشد وثاقهم، ومن ثم يضعون رؤوسهم تحت صنبور يُسقط الماء قطرةً قطرة، حتى ينتهوا إلى الجنون، هذا بذاته ما يفعله بنا القلق إذا استسلمنا أمامه.
من أهم ما يجلي القلق، أو يخفضه، هو أن تتعلم كيف تسترخي، وترفه عن النفس، وتريح الجسم، وأهم شروط ذلك أن تثق بالله، وتتوكل عليه حق التوكل، وتحسن الظن به، ثم انظر إلى الجانب البهيج من الحياة، وثق بعدها أن الصحة والسعادة من نصيبك.
الدوحة - قطر