Advertisement

تاج الدين عبد الحق

حالة الهلع التي ينشرها وباء كورونا حول العالم، تشبه حالة الفزع التي تنشرها موجة الإرهاب، هنا وهناك، والتي ظلت تضرب منذ سنوات في كل مكان، وتهدد -باستمرار- أمن الناس وحياتهم.

أبرز القواسم المشتركة، بين الحالتين، الطابع العالمي لكلٍّ من الوباء والظاهرة الإرهابية. فكورونا مِثلُ الإرهاب تحدٍّ عابر للحدود، يتسلل بطريقة غير معلومة، ولا منضبطة، مثيرا الخوف في كل منطقة يطالها، ويتحسب لخطره الجميع، ويتخوّف من نتائجه الكل بلا استثناء.

ووباء كورونا حاله حال الإرهاب، أعمى لا يفرق بين كبير وصغير، وغني وفقير، وذكر وأنثى. وفي الحالين فإن الخطر يطال مجاميع بشرية لا على التعيين، وليس بينها رابط واضح أوعلاقة مؤكدة.

كورونا الذي بدأ كحالات فردية، وفي منطقة محددة، سرعان ما انتقلت عدواه بسرعةٍ من المحيط الجغرافي الضيق الذي بدأ فيه، ليتحول بين عشية وضحاها، إلى وباء غير معروف الأسباب، ومشكلة عالمية بلا علاج، تنتشر بوتائر متصاعدة، لتطال خلال فترة وجيزة مناطق بعيدة وعديدة حول العالم، بعيدة عن مركز الداء، وأسّ الوباء.

أما الإرهاب الذي ظن البعض، أنه من الأمراض المستوطنة في حدود مناطق التوتر التقليدية، فقد تحول هو الآخر، في غضون سنوات ليضرب في كل مكان، حتى في مناطق لم تكن يوما على خريطة الصراعات الدولية، أو الهواجس الأمنية.

وكما تم تسييس قضية الإرهاب، الذي استخدم في بعض الأحيان ذريعة للعدوان، أو وسيلة لخدمة أجندات سياسية وحزبية وتصفية خلافات إقليمية ودولية، وجد كورونا من يسيّس هذا الوباء، إذ اعتبره البعض مؤامرة مدبرة فلتت من الضوابط التي وضعها صانعوها، فيما رأى البعض الآخر، أن انتشار المرض في بعض المناطق، فرصة تشهير وتشويش على دول وأنظمة منافسة.

وكما تبرأ كثير من الدول والقوى السياسية من مسؤولية الإرهاب، وحمّلت هذه المسؤولية لخصومها، وجدنا هناك، من يحاول إخفاء حالات الإصابة بالوباء، أو يهوّن ويقلل من خطره، غير عابئ بالنتائج التي قد يتسبب فيها إخفاء الحقائق، أو طمس معالمها، والتحايل في الإفصاح عن أبعادها.

أما على البعدين الاقتصادي والاجتماعي، فثمة قواسم مشتركة أيضا. فالعالم دفع ـ وما زال- ثمنا باهظا بسبب الإرهاب، على شكل حروب لم تبرأ منها إلى الآن دول ومناطق عديدة حول العالم، وألحقتْ بها خسائر كبيرة، واستنزِفت على وقعِها، مصادر كثيرة من الموارد والإمكانيات التي وظفت لإجراء تغييرات عميقة على صعيد المنظومات أو التجهيزات والإجراءات الأمنية.

وعلى المستوى الاجتماعي دفعت البشرية، أثمانا مأساوية باهظة، تمثلت في ملايين اللاجئين الذين تشردوا في مخيمات بائسة، أو قضَوْا في رحلات فرار يائسة.

اليوم يتحرك وباء كورونا على خطى الإرهاب، مخلفا وراءه آثارا اقتصادية هائلة، وخسائر مالية وتجارية بمليارات الدولارات، ومهددا اقتصادات دول، ومصالح ومؤسسات خدمية وشركات مالية بالإفلاس، فضلًا عن تهديد مئات الآلاف إن لم يكن الملايين من العمال والموظفين بالبطالة والفقر.

الإرهاب وكورونا مثلان صارخان يؤكدان، أننا نعيش في عالم واحد محكوم بالمصير ذاته، ونخوض فيه المعركة ذاتها حتى لو تباعدت الرؤى والمصالح، واختلفت الأساليب. وكما فشل العالم في اجتثاث آفة الإرهاب، بوصفات محلية، ومن خلال أسوار الحماية الوطنية، فإن مواجهة الأمراض والأوبئة، في عالم تتداخل فيه المصالح وتتشابك فيه وسائل الاتصال، تبدو مهمة صعبة، وقد يدفع العالم ثمنا باهظا فيها، قبل أن يتمكن من الانتصار في تلك المواجهة.