Advertisement

ماهر ابو طير

حدثني مسؤول كبير ومتقاعد رداً على موجة تذمر من الوضع الاقتصادي في الأردن، أبحرت من جهتي نحوه، ذات مساء، ان الاقتصاد المخفي في الأردن، يتجاوز ثلاثة مليارات دينار شهريا، وربما أكثر، وفقا لبعض القراءات التي تتحدث عن هذا الاقتصاد السري.
هذه اول مرة اسمع هذا المصطلح، وقد أضاف ان طبيعة الناس قائمة على الشكوى والتذمر، ولا تجد أحدا، الا ويتذمر، فهذه عادة اجتماعية منعا للحسد، وتبريدا لعيون الاخرين، مضيفا ان هناك ادلة كثيرة تثبت ذلك، ابسطها عشرات الملايين التي خرجت من تحت المخدات في استثمارات البورصة الوهمية، إضافة الى بقية الأنماط التي يعرفها الكل، مقسما اليمين تلو اليمين على، ان الناس يحولون مالهم الى ليرات ذهبية، او دنانير خضراء، ولا يضعونها أساسا في المصارف، ويواصلون العيش بطريقة متواضعة، حتى لا يتنبه لهم احد اجتماعيا، وهو هنا كما اشرت يتحدث عن الأموال التي يتم توفيرها او الحصول عليها بعيدا عن رصد المصارف.
جادلته لوقت قصير، خصوصا، في قصة الاقتصاد المخفي، فهو يصر على ان الكل يتذمر، لكن الكل يوفر المال، والكل يعمل، والكل يدعي الفقر، فالرجل يعمل في وظيفة حكومية، وقد يعمل في وظيفة ثانية مساء، وزوجته تعمل، كما ان هناك مئات الالاف من الأشخاص يعملون ولا يتم رصد دخلهم ابدا، من تجار الخردة وسياراتهم، مرورا بالعمال المحترفين في ورش البناء الذين يعملون في مجالات البلاط والقصارة والكهرباء وغيرهم.
لا اريد الرد عليه عبر صحيفة، كما نحن هنا، لكن هذا الاستخلاص قد يكون صحيحا جزئيا وبشكل نادر، اذ ان هناك نشاطات اقتصادية غير مرصودة، يمكن تصنيفها بالاقتصاد المخفي، لكنها ليست بهذه القيمة التي يتخيلها صديقنا، وهي تدر دخلا على أصحابها، لكنهم ينفقونه أيضا، فهي ليست بهذه القيمة التي يتحدث عنها، أي قرابة ثلاثة مليارات دينار شهريا، فهذه قيمة مبالغ بها جدا، وغير منطقية، كما ان عادة التذمر والشكوى التي أشار اليها، قد تكون صحيحة، لكنها أيضا ليست عامة، فالإنسان السوي والطبيعي، اذا كان مستورا في حياته لا يتذمر ابدا، ولا يكشف نقاط ضعفه لغيره، ومع هذا فان الاستشهاد بقصة ملايين البورصات دليل على وجود ملايين تحت مخدات المواطنين، ليست دليلا كافيا، لان عمل المرء لعشرين عاما، وادخار الف او الفين او ثلاثة، ضيعها في البورصة، لا تعد ذات قيمة كبيرة، بل هي تعب عمره، هذا اذا لم يكن قد باع ذهب زوجته في الأساس سعيا وراء سراب البورصة.
ما يراد قوله هنا، ان هناك مدرسة رسمية في الأردن، تخلط الأرقام والحقائق، وهي ذات المدرسة التي تسألك كيف يدعي الشعب الفقر، وهو ينفق على التدخين مليارا من الدولارات، سنويا، او ينفق على فواتير الاتصالات مليارا من الدولارات، او ينفق على السياحة والسفر، مبلغا يصل الى ارقام كبيرة، واذا كانت هذه الأرقام يتم توظيفها دليلا على وجود هدر مالي من الناس، فانها في حقيقة الحال، لا يجوز توظيفها، فالمدخن مدمن ومريض وغير قادر على ترك التدخين، والانفاق على الاتصالات اجباري، والانفاق على السفر طبيعي من جانب المقتدر.
هناك فقر، تعترف به الاحصاءات الرسمية التي تقول ان هناك اكثر من مليون فقير اردني، وهناك ارقام اكبر من هذا الرقم، حول الفقر والجوع والحاجة والبطالة، وهناك دلالات على الفقر نراها بكل بساطة في تأجيل العائلات لتعليم أولادها، او تأجيل الفصول، او تقسيط الرسوم، او عدم الزواج، او رهن الشقق والأراضي للمصارف بسبب الديون المتعثرة، وهناك مؤشر قضايا الشيكات امام المحاكم، وعدد المطلوبين للتنفيذ القضائي، ومؤشرات كثيرة، تثبت ان هناك فقرا يزداد، وان الحلول غير متوفرة، فيما الهروب من هذا الملف عبر الحديث عن اقتصاد مخفي غير خاضع للرصد او الضريبة، او اتهام الأردنيين بكونهم يشكون ويتذمرون فقط، هروب لن يحل المشكلة، ولن يلغيها أيضا.
نحن هنا نحض بصوت مرتفع، كل الجهات ذات الصلة، على ان لا تعد الفقر مشكلة مزمنة، ولا يجوز ان تواصل خطط إطفاء الفقر عبر حلول مؤقتة، لان الظاهرة تتعمق، وتأخذنا الى طبقية خطيرة، بعد قليل، ستؤدي الى نتائج لا تخطر على بال احد في هذا البلد.