Advertisement

فهد الخيطان

لا يجادل أحد بمسؤولية جهاز الموساد الإسرائيلي عن اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده. تحديد المستفيد من العملية يقود بشكل تلقائي لهوية المنفذ. نتنياهو لم يحتمل قيود السرية المفروضة على عملية أمنية معقدة تم الإعداد لها منذ أشهر، فخرج بتغريدة فيها تلميح أقوى من التصريح عن “إنجاز لا يستطيع أن يذكره” في ذلك اليوم.
هذه ليست العملية الأولى للموساد في إيران، فقبل أشهر قليلة نفذ عملاء إسرائيل عملية نوعية في قلب منشأة نووية إيرانية، نتج عنها تدمير معمل “نطنز” وتزامنت العملية مع حوادث حريق وتفجير غامضة طالت محاطات طاقة ومواقع حيوية في إيران. ولا ننسى بالطبع دور الموساد في تتبع القيادي الإيراني قاسم سليماني الذي قتل في هجوم أميركي قرب مطار بغداد.
عمليات الموساد في قلب إيران بددت الانطباع السائد عن حصانة المجتمع “الثوري” الإيراني في وجه الاختراق الإسرائيلي. الوصول إلى منشأة نووية محصنة، ورصد تحركات عالم نووي بوزن زاده يعني وجود عملاء من الوزن الثقيل وفي مفاصل حساسة تمكن الموساد من تنفيذ عملياته دون هامش بسيط من الأخطاء، ومن غير أن تتمكن السلطات الأمنية في طهران من تحديد هوية المتورطين فيها، أو القبض عليهم.
يشير خبراء في شؤون الصراع الإيراني الإسرائيلي، إلى أن الحضور الاستخباري الصهيوني في إيران يعود لعقود طويلة تسبق ثورة الخميني. العلاقات التي نسجتها حكومات إسرائيل مع نظام الشاه مكنت الموساد من بناء صلات وثيقة داخل المجتمع الإيراني لم تنقطع بعد الثورة، وحرص الموساد على استثمارها وتعزيزها لأيام حافلة كالتي نشهدها حاليا.
في عمق الوسط السياسي والثوري الإيراني حدثت على الدوام اختراقات نوعية للموساد عززت من فعاليتها القدرات التكنولوجية الهائلة في الاتصال والمراقبة والتنصت.
أجهزة الأمن الإيرانية تدرك هذه الحقائق، لكنها تبدو عاجزة عن التعامل معها. وقد يكون هذا حال دول عديدة في المنطقة تتحرك أذرع الموساد فيها بحرية وتستطيع تنفيذ عمليات نوعية متى اقتضت المصلحة.
نذكر جميعا عملية الموساد النوعية في دبي واغتيال القيادي في حركة حماس محمود المبحوح بدون ضجة إلى أن تمكن الفريق المنفذ للاغتيال من مغادرة البلاد.
لبنان كان على الدوام مسرحا لعمليات الموساد التي طالت قياديين في الثورة الفلسطينية وفي ظروف تاريخية مختلفة، واستمرت لاحقا ضد المقاومة اللبنانية وتحديدا عناصر قيادية في حزب الله اللبناني.
وفي الحرب السورية المستمرة منذ سنوات، نجح الموساد على الدوام في الوصول إلى أهدافه بسهولة، ونال من قيادات عسكرية إيرانية ولبنانية تابعة لحزب الله في كل مكان تواجدت فيه في سورية، مثلما تمكن من تحديد مواقع حيوية سورية واستهدافها.
إيران هددت بالرد القاسي على اغتيال أبرز مسؤول عن الملف النووي، لكن سبق أن سمعنا مثل هذه التهديدات بعد اغتيال سليماني، حيث اقتصر الرد الإيراني على قصف منسق مسبقا لقاعدة جوية أميركية في العراق خلّف خسائر مادية فقط. وفي حينه طغت الحسابات السياسية على مشاعر الانتقام، ووجدت طهران نفسها مقيدة باعتبارات كثيرة، خاصة في ظل وجود رئيس في البيت الأبيض يبحث عن أي ذريعة لشن حرب مدمّرة على إيران.
طهران لا ترغب حاليا بالتفريط بلحظة بايدن، والأرجح أنها تستعد لمرحلة جديدة من العلاقة مع الولايات المتحدة بعد فوز المرشح الديمقراطي، وربما تكون المكاسب السياسية أكبر من أي رد انفعالي لا يجلب إلا المزيد من التصعيد.
إسرائيل لا تعترف بتغير قواعد اللعبة عندما يتعلق الأمر بمصالحها الاستراتيجية، ووصول رئيس جديد للبيت الأبيض لن يشل يدها عن التحرك كلما اقتضت الحاجة، خاصة في إيران.