آخر الأخبار :
التاريخ :
الوقت :

تصريحات كيري...والضجة المفتعلة

كرمالكم الإخبارية

أثارت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ضجة كبيرة نسبة لما انطوت عليه من جرأة وصراحة غير معهودة فيما يتعلق بالاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته مع التسليم بضرورة تبادل أراضٍ بسبب الواقع الديمغرافي وانتقاده بحدة للاستيطان الإسرائلي وذلك بعد قليل من القرار الأممي بإدانة هذا الاستيطان وبامتناع أمريكا عن التصويت مما اُعتبر موقفا مستهجنا لم يقع له مثيل في السابق.
الوزير مع إدارته على وشك الرحيل وبالتالي فإن قيمة ما صرح به لا تعدو كونها من الآراء الشخصية أو تأنيب الضمير التي لا يمكن أن يكون لها تاثير فعلي بل يمكن القول أن مثل هذه التصريحات قد صدرت عن مسئولين سابقين بنفس الصورة والقوة لكن ما يعيبها دائما أنها تاتي في وقت التقاعد أو الوقت الضائع.
الوزير كيري ابدى اهتماما خاصا وملحوظا بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي تمثل ذلك في الجولات المكوكية الى المنطقة حيث زارها أكثر من خمس وعشرين مرة وكانت التوقعات بحدها الأدنى تنبئ بالتوصل إلى اتفاق إطار تنزع من خلاله فتيل القنابل الموقوتة بين الطرفين ومحددا بإطار زمني ليصطدم بالتعنت الإسرائيلي التي تطرح شرطا لأول مرة بالاعتراف بيهودية الدولة وهذا شرط عنصري ترفضه قيم الغرب نفسه كما يدعي ومع ذلك تفشل المفاوضات وكان الأمل بأن يعلن الوزير وإدارته مسئولية اسرائيل علنا لكن السلطة إياها منعته من ذلك.
موقف الوزير كيري ليس متفردا بل سبقه إلى ذلك العديد من المسئولين في الغرب أو أمريكا ممن كانت مواقفهم في المسئولية تختلف تماما عن مواقفهم الشخصية واتذكر هنا على نحو خاص مستشار الأمن القومي زبينغو بريجنسكي في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جمي كارتر أواخر السبعينات الذي اُعتبر من أشد الخصوم لـ حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته على ترابه الوطني.
لكن المفاجأة كانت عندما تقاعد المستشار فصار من أشد المدافعين عن حق الشعب الفلسطيني في قيام دولة مستقلة الى جانب دولة إسرائيل وعندما سئل عن موقفه هذا ذات يوم:لكنك كنت ضد هذه الحقوق وأنت في السلطة؟! أجاب السائل ببساطة إن السؤال ينطوي على الإجابة بمعنى أن موقف السلطة بالضرورة يختلف عن موقف الشخص عندما يتحرر من اغلالها!
اليوم يتحضر العالم لإستقبال إدارة أمريكية جديدة خلفا للإدارة الحالية ويتوقع الجميع محللون وسياسيون أن يكون هناك نهج جديد يميل إلى التعامل مع القضايا العالمية بديناميكية أسرع وأفعل لكن لا تذهب إلى التسليم بما كان يقال في الحملات الانتخابية.
مع موعد رحيل أي إدارة أمريكية نسمع دائما عبارات مستهلكة أهمها أن هذه الإدارة قدمت لإسرائيل ما لم تقدمه غيرها من قبل وهو كلام عام ومرسل على الرغم من اتفاق سبتمبر هذا العام بتقديم المليارات فكل إدارة طالما تشدقت بما قدمت وهو يذكرني بكلام الفلاحين عندما يدّعون دائما وفي كل عام بأنه مثل "هالمطر والبرد ما شفنا من قبل".
لقد كانت وستبقى علاقة أمريكا بإسرائيل استراتيجية حقيقية منذ قيامها وحتى الساعة وما شابها أحيانا من إختلاف في وجهات النظر بين الطرفين كانت من باب الحرص على مصالح اسرائيل الحيوية ولم تعدو هذه الخلافات عن كونها سحابة صيف عابرة في الوقت الذي كانت تفاخر معظم الدول العربية بمثل هذه العلاقة الاستراتيجية مع الامريكان لنكتشف أنها علاقة تكرس المصالح الامريكية لا أكثر وما الموضوع السوري الا مثالا ساطعا لتخليها عمن يصفون أنفسهم بالحلفاء فضلا عن تخليها عمّا تدّعيه من قيم مثل تعزيز الديمقراطية في العالم.
تجربتنا مع أمريكا ومع ربيبتها إسرائيل تقع ضمن تجريب المجرب وتعاملها مع قضايا وأحداث المنطقة باتت واضحة وهي تقف مع القوى الإقليمية بل ومع قوى عالمية عندما تتناقض مصالح هذه القوى مع العرب لكن اللوم لا يقع دائما على طرف من حقه أن يسعى لتأمين مصالحه بقدر ما هو نتيجة لضعف أمة تشتت قوتها ومقدراتها بفعل الفرقة والاستبداد وبالتالي فإن تناقض المعاملة مع أمة العرب ليس مستغربا خاصة عندما تدّعي أن القيم تتقدم على المصالح فهي يمكن أن تستخدم النووي لإسقاط دكتاتور في العراق تبعا لتقديم القيم لكن ديكتاتور دمشق-مثالا- لا يحظى باهتماها نسبة لغياب المصالح وتناسي القيم.
ذاكرة الأمة في التعامل مع الغير أضعف من ذاكرة السمكة بل أنه غير صحيح ما يشاع عن قصر ذاكرة السمكة أمّا ضعف ذاكرة الأمة مع أعدائها فلا تطالها الشكوك والمؤسف أننا نكرر أنفسنا مع كل أزمة ونرجو ما هو جديد.
ليس من الحكمة في شيء أن نكون شديدي التفاؤل أو التشاوم اتجاه رحيل أو قدوم إدارة أمريكية جديدة فمصالحها ترتبط عضويا بالحفاظ على اسرائيل قوية وبنفس الوقت فإن نظرتها للمنطقة العربية على أنها مجرد منطقة نفط ونفوذ تجعلها تتحلل من أي التزام سياسي أو أدبي خاصة بوجود قادة يسيسون شعوبهم وأوطانهم بأسلوب المماحكة.
الدوحة - قطر

Advertisement