آخر الأخبار :
التاريخ : 2017-03-18
الوقت : 10:53 pm

د . خالد عبد اللطيف .. يتحدث عن قواعد فقه الحديث

كرمالكم الإخبارية

بقلم الكاتب و المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد اللطيف ــ المدير التنفيذى لجامعة بيرشام الدولية بأسبانيا ــ رئيس تحرير جريدة الأمة العربية ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولي :
مما لاشك فيه أن السنة النبوية الشريفة تعد المصدرَ الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم؛ فهي مقرِّرة ومؤكِّدة لما ورد فيه من أحكام، ومبيِّنة لمجمله، ومخصِّصة لعامه، ومقيِّدة لمطلقه، بل وتزيد عليه بأحكام لم يَنُصَّ عليها، مما فهمه الرسول صلى الله عليه وسلم من الذكر الحكيم، أو مما أوحي إليه استقلالًا؛ قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 44].
فالنبي صلى الله عليه وسلم هو المبين عن ربه سبحانه وتعالى، فلا يمكن فهم مراد الله تعالى إلا من خلال سنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وما سنته إلا ما نقله عنه صحابته رضوان الله عليهم، عبر أحاديث جمعها المحدِّثون في كتب ومصنَّفات، مرتبة في تآليف بديعة، تنبئ عن عقلية فذة، واعية ناضجة مبدعة.
فعلمُ الحديث من خصائص هذه الأمة، وضعته لتسييج الشريعة وحمايتها من كل زيادة أو تحريف أو نقصان، وذلك أنه عندما ركب الناس الصعب والذلول، قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، وضعوا علم الرجال؛ حتى لا نأخذ ديننا إلا عن مرْضي في دينه وضبطه قد اتصل سنده بالمصطفى صلى الله عليه وسلم.
ومن تمام حفظ الشريعة عن زيغ الفهوم، أحكم النظر في نصوصها بقواعد موجهة ومسددة، تقيم أود التفكير، وتحترم العقول، وتضمن السير المستقيم.
تلكم ضوابط تشرَّبها الصحابة رضي الله عنهم بسليقتهم العربية، وبملازمتهم لخير البرية صلى الله عليه وسلم، لكن لما تباعَد الناس عن عهد النبوة، وتسللت العجمة إلى الألسن، احتيج إلى تقرير تلكم القواعد وإبرازها، وإلزام من أراد أن يتسور برج الشريعة أن يمر من خلالها، وإلا اعتُبر كلامه لغوًا لا يقام له وزن في قسطاس العقل والعلم والدين.
ومن ثَمَّ كان لزامًا على كل منتصب للفتوى أو الدعوة، أن يكون له نصيب من التفقه في كتاب الله تعالى، وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفق الضوابط العلمية التي تعارَف عليها أهل العلم؛ لأن التوقيع عن الله تعالى أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم لا يكون بمحض التشهي، أو تابعًا للأمزجة؛ وإنما هي دروب ومسالك، مَن حاد عنها هلك وأهلك، وضل وأضلَّ، فعن عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسُئلوا فأفتَوا بغير علم، فضلوا وأضلوا))[1].
عن إبراهيم بن عبدالرحمن العذري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يحمل هذا العلمَ من كل خلف عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين))[2].
وفي هذه الوجهة والمقصد جاء هذا البحث لبنةً من لبنات تثوير العزائم لسلوك النهج القويم، وقد جعلته في مقدمة، وثلاثة مباحث، ثم ذيلته بخاتمة:
أما المقدمة، ففيها الإشارة إلى أهمية هذا العلم.
وضمنت المبحث الأول مجموعة من التعاريف المهمة التي ترسي قواعد التصور؛ لأن الخلل في التصور يُفضي إلى الخطأ في الحكم، وكما قيل: الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، ففيها تعريف الفقه لغةً واصطلاحًا، وتعريف الحديث لغةً واصطلاحًا، ثم بيان مفهوم جزأَي التعريف، وهو فقه الحديث.
وأما المبحث الثاني، فخصصته لقواعد فهم الحديث، وتتمثل في الملَكات التي ينبغي أن يحصلها المتفقه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإقبال عليه، وهي: علم اللغة، وأصول الفقه، ومصطلح الحديث، والقواعد الفقهية، ومقاصد الشريعة، والرجوع إلى فهم العلماء السابقين، إضافة إلى معرفة أسباب ورود الأحاديث.
وأما المبحث الثالث، فجعلته لقواعد استنباط الأحكام الشرعية من الأحاديث النبوية، وهي مَرتبة أعلى من سابقتها، تحتاج إلى خبير خريت بمسالك التعارض والترجيح، وهي: الجمع بين النصوص، ثم النسخ، ثم الترجيح، فالتوقف.
والله تعالى أستمد منه العون، وأسأله التوفيق والسداد.
المبحث الأول: التعاريف
1 ـ تعريف الفقه لغةً واصطلاحًا:
الفقه لغة: قال ابن فارس (ت 395 هـ): “الفاء والقاف والهاء أصلٌ واحد صحيح، يدلُّ على إدراكِ الشَّيء والعِلْمِ به، تقول: فَقِهْتُ الحديث أفْقَهُه، وكلُّ عِلْمٍ بشيءٍ فهو فِقْه”[3].
قال ابن منظور (ت 711 هـ) “الفقه: العلم بالشيء والفهم له، وغلب على علم الدين؛ لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم”[4] .
مما سبق يتلخص أن معنى الفقه لغةً يدور على ثلاثة معانٍ، وهي: العلم، والفهم، والإدراك.
ومن أهل العلم مَن خصه بالفهم؛ لقوله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ ﴾ [هود: 91]؛ أي: ما نفهم…[5].
وأما الفقه اصطلاحًا، فهو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبُ من أدلتها التفصيلية[6].
محترزات التعريف:
العلم[7]: يشمل الظن والقطع؛ لأن الأحكام الشرعية، منها ما يتوصل إلى حكمه على سبيل القطع، ومنها ما يتوصل إلى حكمه على سبيل الظن، فخرج بهذا الشكُّ والوهم، والجهل بنوعيه المركَّب والبسيط.
قوله: (بالأحكام الشرعية)؛ أي: المستفادة من الشرع، خرج بذلك العلم بالأحكام العقلية، والعلم بالأحكام العادية.
قوله: (العملية)؛ (كالصلاة والحج… وغيرها من العبادات)، فخرج به الاعتقادية؛ كأركان الإيمان.
قوله: (المكتسبُ)؛ أي الموقوف على النظر والاستدلال، فخرج به العلم الضروري، وهو الذي لا يحتاج معه إلى بحث واستدلال.
قوله: (مِن أدلتها التفصيلية)، وهي الأدلة الجزئية للفروع الفقهية، خرج به أصول الفقه؛ لأن موضوعه أدلة الفقه الإجمالية؛ كالأمر للوجوب…، وخرج به معرفة الأحكام بغير دليل، فلا يسمى فقهًا.
ب – تعريف الحديث لغةً واصطلاحًا:
تعريف الحديث، لغةً: الجديد، ضد القديم، قال ابن فارس: “الحاء والدال والثاء أصلٌ واحد، وهو كونُ الشيء لم يكُنْ…، والحديثُ مِن هذا؛ لأنه كلامٌ يحْدُثُ منه الشيءُ بعدَ الشيء”[8]، ويطلق كذلك على الخبر[9].
تعريف الحديث اصطلاحًا: هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خِلْقِيٍّ أو خُلُقِيٍّ[10].
ج – تعريف فقه الحديث: هو استخراج المعاني والحِكَم والأحكام من الأحاديث النبوية.
المبحث الثاني: قواعد فهم الحديث
من أجل فهم سديد في الحديث النبوي؛ لا بد من أدوات علمية تمكِّن الطالبَ من فهم الخطاب النبوي، بتفكيك ألفاظه وعباراته، ولا يكون ذلك إلا بتحصيل مجموعة من العلوم؛ منها:
أ – علوم اللغة العربية: إن النبي صلى الله عليه وسلم أفصح العرب، وقد أوتي جوامع الكلم، واختُصرت له المعاني اختصارًا في ألفاظ قليلة؛ لهذا يجب على كل مشتغل بالأحاديث النبوية – تفهمًا واستنباطًا – أن يكون له حظٌّ وافر من علوم اللغة العربية.
قال ابن الاثير (ت 606 هـ): “وقد عَرفْت – أيدك الله وإيانا بلُطفه وتوفيقه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفصح العرب لسانًا، وأوضَحَهُمْ بيانًا، وأعذَبَهم نُطقًا، وأسَدَّهم لفظًا، وأبيَنَهم لَهجَة، وأقومَهم حُجة، وأعرَفَهُم بمواقع الخطاب، وأهدَاهم إلى طُرق الصواب، تأييدًا إلهِيًّا، ولُطفًا سماويًّا، وعنايَةً رَبَّانية، ورعايَةً رُوحانية”[11].
وأهم هذه العلوم:
• علم النحو:
• وهو العلم الذي يُقيم اللسان، فلا يجمل بطالب العلم أن يلحن اللحن الفاحش، أو أن يكثر سقطه، وكما قيل: من كثر لحنه سقطت مروءته، فاللحان لا يوثَق بعلمه.
• ويقيم الفهم؛ للتمييز بين الفاعل والمفعول، والحال والتمييز، وغيرها من أبواب هذا العلم..
• علم البلاغة: بأنواعها الثلاثة؛ علم المعاني، والبيان، والبديع.
قال الطاهر بن عاشور: “… وإنما سمي هذا العلم بالبلاغة؛ لأنه بمسائله وبمعرفتها يبلغ المتكلم إلى الإفصاح عن جميع مراده بكلام سهل وواضح، ومشتمل على ما يعين على قبول السامع له ونفوذه في نفسه…”[12].
فالذي لا يستطيع التعبير عن حاصل مراده، كيف له أن يفهم عن غيره تمام المراد؟!
• علم حروف المعاني: وأفردته بالذِّكر؛ لقلة الانتباه إليه، مع مسيس الحاجة إلى تحصيله؛ لهذا أفرد علماء الأصول في مصنفاتهم بابًا لمعاني الحروف، وذكروا فيها ما لا يسع الفقيهَ جهلُه منها، وأجمعُ ما صنِّف فيها كتابُ “مغني اللبيب عن كتب الأعاريب”؛ لعبدالله بن يوسف، المعروف بابن هشام (ت 761 هـ).
• علم الصرف: وهو “العلم الذي تعرف به كيفية صياغة الأبنية العربية، وأحوال هذه الأبنية، التي ليست إعرابًا ولا بناءً”، فموضوع علم الصرف في المفردات العربية من حيث البحث عن كيفية صياغتها لإفادة المعاني، أو من حيث البحث عن أحوالها العارضة لها من صحة وإعلال[13]، ولمحمد محيي الدين عبدالحميد (ت 1972م) كتاب ماتع سماه “دروس في التصريف”.
علم الأدب: كما ينبغي للطالب الإبحار في دواوين الشعراء، وكتب الأدب؛ لاكتساب الذوق العربي، وقد عد ابن خلدون (ت 808 هـ) في تاريخه[14] أربعة كتب أصولًا في الأدب؛ وهي:
البيان والتبيُّن؛ لأبي عثمان الجاحظ (ت 255 هـ).
وأدب الكاتب؛ لابن قتيبة الدِّينوري (ت 276 هـ).
والكامل في اللغة والأدب؛ لأبي العباس المبرد (ت 285 هـ).
والنوادر؛ لأبي علي القالي (ت 356 هـ).
• علم غريب الألفاظ: قد يعترض الدارسَ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم بعضُ الألفاظ الغريب التي تحتاج إلى شرح وبيان، هذا العلم ألف فيه العلماء مؤلفات خاصة؛ من أجمعها: مشارق الأنوار على صحاح الآثار؛ لأبي الفضل القاضي عياض السبتي، (ت 544 هـ)؛ حيث استودعه غريب أحاديث موطأ مالك وصحيحي البخاري ومسلم.
ومنها – وهو أجمعها – النهاية في غريب الحديث والأثر؛ لأبي السعادات المبارك بن محمد، المعروف بابن الأثير (ت 606 هـ).
ب – علوم مصطلح الحديث: إن المتفقِّه في الأحاديث النبوية يجب عليه أن يستوثق من ثبوتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الحديث أصل، والفقه فرعٌ عنه، فلا يقوم بناء على جرف هارٍ.
وفي هذا يقول أبو سليمان الخطَّابي (ت 388 هـ): “ورأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين، وانقسموا إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر، وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة؛ لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب…”[15].
وقد صنِّف في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصنفات، وسلك فيها أصحابها مناهجَ مختلفة، وتعارفوا على مصطلحات، فلا بد لمن يخوض غمارَ هذا العلم أن يطلع عليها ويتضلع منها؛ على الأقل لفهم كلام القوم، ويعقل عنهم مرادهم، ويتبين صنيعهم.
ت – علم أصول الفقه: هذا العلم الذي موضوعه دلائل الفقه الإجمالية، وأهمية هذا العلم فيما نحن بصدده – أي: فهم معاني أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم – تكمن في استعمال آلة علمية تُمكِّن من معرفة دلالات ألفاظ النص الشرعي من عموم وخصوص، وإطلاق وتقييد، ومفهوم ومنطوق…، إلى غيرها من القواعد المسطَّرة في بابها، التي لا يمكن فهم مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدونها، فهذه القواعد هي التي تضبط عمليةَ الفهم والاستنباط؛ فهو – أي: علم أصول الفقه – القانون الذي يحجز عن عدم الاطراد في الاستفادة من النص الشرعي.
ومن الفوائد كذلك التي تُجنى من التمكن من علم أصول الفقه:
1 – فهم وتعقل تصرفات الفقهاء، وتبين مسالكهم في الاجتهاد.
2 – حراسة الشريعة؛ فإن كان علم الحديث يحميها من جهة النقل، فإن أصول الفقه يحرسها من جهة الفهم، فلا يمكن أن نقبل أيَّ فهم لنصوص الشارع إن لم تكن تشهد له القواعد الشرعية المستنبطة من لغة العرب الذي نزل بلسانها، ومن النصوص الشرعية نفسها، ولا يمكن أن نقبل مصدرًا جديدًا من مصادر التشريع ما لم يأتِنا بصكٍّ مختوم من النصوص الشرعية؛ لهذا تجد الأصوليين يختلفون في القواعد الأصولية، كل منهم يحاول أن يستدل لقوله ويبطل قول مخالفه بمجموعة من الاعتراضات، يوزن بها النقير والقطمير، في جدال ماتع يشحذ الذهن، وينبه المقتحم أن عليك سلوك هذا المحك؛ لكي نقبل قولك، أو نسلِّم بقواعدك.
3 – نبذ التعصب، والاختلاف المذموم: إن الاختلاف في هذه الأمة كان وسيبقى، وهو من رحمة الله بها؛ لهذا ينبغي حسن تدبيره بالرجوع إلى القواعد العلمية، ولأجل هذا الغرض صُنف أول كتاب في أصول الفقه، وهو كتاب “الرسالة”؛ للإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ).
ث – معرفة مقاصد الشريعة: وهي الوقوف على حِكم التشريع وأسرار التكليف في الأوامر والنواهي…؛ لأن الله تعالى لم يأمر بأمر إلا لحكمة، ولم ينهَ عن شيء إلا لحكمة، فهو سبحانه العليم الحكيم، فكل أحكام الشريعة نصبت لرعاية مصالح العباد في العاجل والآجل، وقد قسَّم الإمام أبو إسحاق الشاطبي (790 هـ) في كتابه “الموافقات” مقاصد الشريعة إلى قسمين: الأول: مقاصد الشارع من وضع الشريعة، الثاني: مقاصد المكلَّف في أفعاله التي كلف بها، وقد ضمَّن كلَّ قسم مجموعةً من الضوابط[16].
وقد ثبت بالاستقراء أن الشريعةَ جاءت للحفاظ على الكليات الخمس؛ وهي: الدين، ثم النفس، ثم العقل، ثم النسل، ثم المال، وكل كلية من هذه الكليات شرع لها مصالح لرعايتها؛ وهي:
• إما مصالح ضرورية – وهي أعلاها -: وهي التي لا بد منها في قيام مصالح الناس في الدين الدنيا؛ بحيث إذا فُقدت لم تجرِ مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم.
• أو المصالح الحاجية: وهي التي تراعى من أجل رفع الحرج والضيق على المكلَّفين، بحيث يؤدي اختلالها إلى المشقة والعنت.
• أو مصالح تحسينية: وهي التي يراعى فيها الأخذ بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق؛ فبفقدانها تصبح الحياة مستقبَحة في نظر العقلاء، دون أن تصيبهم مشقة أو ضيق[17].
فمِن حسن تفهُّم خطاب النبي صلى الله عليه وسلم الوقوفُ على هذه المعاني في حديثه صلى الله عليه وسلم، وإلحاقها بإحدى الكليات الخمس السابقة، ثم تعَقُّل درجة المصلحة التي يراد تحصيلها.
5 – الرجوع إلى شروح العلماء السابقين: هذه الأمة لها تراث يمتد إلى أربعة عشر قرنًا، تعاور نصوصَها فهومُ علماءَ شُهد لهم بالعلم والتقوى، فلا يجوز أن نتخذ كل هذا الإرث ظِهريًّا، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فلا بد من تأسيس النظر في النصوص على فهمِ مَن سلف – خاصة في القرون الثلاثة الأولى المفضَّلة بنص الحديث النبوي – ثم على فهم مَن جاء بعدهم من الأئمة الحذَّاق، ولا يمنع هذا أن يفتح الله على طالب العلم بنكات وفوائد، فمَعين الشريعة لا ينضب، وكم ترك المتقدِّم للمتأخر، لكن شريطة ألا يعود على المتقدم بالإبطال.
6 – معرفة أسباب ورود الأحاديث: كما أن القرآن الكريم منه ما نزل ابتداءً، ومنه ما كان له سبب نزول، فكذلك الحديث النبوي منه ما رود ابتداءً، ومنه ما ورد لسببٍ اقتضاه.
فالمتفقِّه لا يستغني عن الاطلاع على أسباب ورود الأحاديث التي وردت لسبب؛ لِما له من فائدة في فهم معنى الحديث والاستنباط منه؛ لهذا يقول جلال الدين السيوطي (ت 911 هـ) في ألفيته:
أولُ مَن قد ألَّفَ الجُوبارِي
فالعُكْبري في سببِ الآثارِ
وَهْوَ كما في سببِ القرآنِ
مُبيِّنٌ للفقه والمعاني
ففوائد معرفة سبب الورود متعددة:
• منها الوقوف على حِكم التشريع ومقاصدها، بمعرفة الباعث على ورود الحديث.
• ومنها أنه مُعين على فهم المراد؛ لما للسياق من أثر في وضوح المعنى.
• ومنها تنزيل الأحكام المستنبطة من الحديث منازلَها؛ من إبقاء الأمر على ظاهره للوجوب، أو صرفه إلى الاستحباب أو الإباحة…
المبحث الثالث: قواعد الاستنباط
بعد فهم النص على جهة الإجمال، تعقبه مرحلةٌ موالية، وهي انتزاع الأحكام الشرعية، وهي عملية الاستنباط؛ أي للاستدلال بالحديث النبوي على إيجاب أو تحريم…، وهذه المرحلة مبنيَّة على سابقتها، وكل القواعد التي ذكرت فيها تصدق على هذه وتنسحب عليها، فالأُولى أصل تُبنى عليه الثانية، وتزيد هذه بقواعد أخرى؛ أذكر منها:
هذه المنزلة يُبدأ فيها بـ:
المرحلة الأولى: جمع النصوص الواردة في الباب: ذكرت فيما سبق أنه لا بد من التأكد من ثبوت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لا تكفي صحة الحديث في استنباط الحكم الشرعي؛ إذ يوجد مجموعة من النصوص ظاهرها التعارض في نفس المسألة، فقد يكون بعضها فيه أمر، وأخرى فيها نهي، أو إباحة ونهي…، إلخ؛ لهذا يجب على المتفقِّه استفراغُ الوُسع في جمع الأحاديث النبوية الواردة في الباب المبحوث فيه.
وللغرض نفسه صنِّفت كتب الصحاح والسنن المرتَّبة على الأبواب الفقهية؛ كالصحيحين، وسنن أبي داود (ت 275 هـ)، وجامع الترمذي (ت 279 هـ)، وميزته نقد الأحاديث وبيان المعمول به منها، وسنن النسائي (ت 303 هـ)، وسنن ابن ماجه (ت 273 هـ).
وعلى منوالها صنفت كتب أحاديث الأحكام؛ كالأحكام الكبرى؛ لعبدالحق الإشبيلي (ت 581 هـ)، ومنتقى الأخبار؛ للمجد بن تيمية (ت 652 هـ)، والمحرر في أحاديث الأحكام؛ لابن عبدالهادي (ت 744 هـ)، وتقريب الأسانيد وترتيب المسانيد؛ للحافظ العراقي (ت 806 هـ)، وبلوغ المرام؛ للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، إلى غيرها، وإنما القصد هو التنبيه إليها.
المرحلة الثانية: ينظر هل هناك من معارض للفهم المستنبط منه، أو لا؟ وهذا المعارض قد يكون إجماعًا، أو نصًّا حديثيًّا آخر، أو قاعدة فقهية، أو أصلًا من أصول أحد المذاهب الفقهية.
وسأكتفي بالحديث عن توهم التعارض بين الحديث النبوي والإجماع، وبين تعارض النصوص فيما بينها:
• إن كان المعارضُ إجماعًا، علم به خطأ الفهم المتبادر من الحديث، أو أنه حديث لا يثبُت؛ لهذا اشترط الأصوليون في المجتهد معرفة ما أُجمع عليه لكيلا يخالفه؛ إذ الحكم الذي نص عليه الإجماع قطعيٌّ لا تجوز مخالفته، بخلاف الحديث، فقد يكون ظني الثبوت، أو ظني الدلالة، ففي هذه الحالة يعمل بالإجماع، ويؤول الحديث – إن صح – بما لا يعارض الإجماع.
ومن المؤلفات في إجماع العلماء:
كتاب الإجماع؛ لأبي بكر محمد بن المنذر (ت: 319 هـ).
مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات؛ لأبي محمد علي بن حزم الظاهري (ت 456 هـ).
الإقناع في مسائل الإجماع؛ لأبي الحسن علي بن القطان الفاسي (ت: 628 هـ).
نقد مراتب الإجماع؛ لأبي العَباس أحمد بن عبدالحليم بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت 728 هـ).
وكل كتب الخلاف العالي تُعتبر من مظانِّ إجماعات العلماء؛ ككتابي التمهيد والاستذكار؛ لابن عبدالبر (ت 463 هـ)، والمغني؛ لابن قدامة المقدسي (ت 620 هـ)، والمجموع؛ للنووي (ت 676 هـ).
وإنما الغرض التنبيه على هذا الأمر الخطير، الذي أصبح الكثيرون ممن يتربصون بشريعة المسلمين الدوائر يكثرون الولوجَ منه؛ لأن الطعن فيما أجمعت عليه الأمة هو طعن في أساس من الأسس التي تقوم عليه عقيدتها وعباداتها ومعاملاتها وأخلاقها.
• التعارض بين النصوص الحديثية: بعد جمع النصوص الواردة في الباب، يُنظر هل هي متواردة على نفس الحكم أم متعارضة؟ فإن كانت متواردة عضد بعضُها بعضًا ولا إشكال.
وأما إن كانت متعارضة – أي متخالفة – كل منهما يدل على حكم يقابل الآخر، نصير حينئذٍ إلى تتبع الخطوات الأربع الآتية، وهذا التعارض ليس في الشريعة؛ وإنما هو في ظن المجتهد، وقد قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]، وكذلك هي السنة النبوية؛ لأنها وحي من الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3، 4].
في هذه الحالة يلجأ العلماء إلى التدلي عبر مراحل أربع؛ وهي:
• الجمع بين النصوص، فإن تعذَّر فالنَّسخ بشرطيه، فإن لم يتوفر شرطاه، فالترجيح بين النصين، وإلا صرنا إلى التوقُّف.
طريقة الجمع: إن أمكن الجمع بين النصين المتعارضين، فهذا أولى الطرق؛ لأنه إعمال لكلا الدليلين، ويمكن الجمع بين النصين مثلًا عند تعارض عام وخاص بتخصيص العام بالخاص.
طريقة النسخ: النسخ هو “رفع حكم شرعي بالدليل الشرعي المتراخي عنه”[18]، عند تعذر الجمع بين الدليلين، يصير العلماء إلى نسخ الأول بالمتأخر، شريطة معرفة تاريخ صدور كل منهما؛ للوقوف على المتأخر منهما، فلا يُحكم بالنسخ إلا عند توفر شرطين، وهما:
1- تعذر الجمع بين النصين.
2- معرفة تاريخ كِلا النصين.
طريقة الترجيح: إذا لم يعلم تاريخ النصينِ أو أحدهما، يصار إلى الترجيح بإحدى طرق الترجيح المتعددة؛ منها[19]:
أ – ترجيحات بالسند:
• كثرة رواة أحد الخبرين.
• أن يكون أحد الراويينِ صاحب القصة.
• أن يكون أحد الراويين أعلم وأتقن.
• أن يكون أحد الراويين لم تختلف الرواية عنه.
• أن يكون أحد الراويين متأخر الإسلام؛ لأنه أقل احتمالًا للنسخ.
ب – ترجيحات المتن:
• أن يكون أحد المتنين قولًا والآخر فعلًا، فيرجح القول.
• أن يكون أحد المتنينِ دالًّا بمنطوقه والآخر بمفهومه، فالدالُّ بالمنطوق أولى.
• ترجيح الظاهر على المؤول.
• أن يكون أحدهما إثباتًا والآخر نفيًا، فإن الإثبات أرجح.
• أن يكون أحدهما ناقلًا عن البراءة الأصلية، والآخر مبقيًا، فإن الناقل أولى.
ومَن أراد الاستزادة من طرق الترجيح مع الأمثلة، فليرجع لكتاب (مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول)؛ لأبي عبدالله المالكي التلمساني (ت 771 هـ).
طريقة التوقف: وهي عند تعارض الدليلين وتعذر الجمع بينهما، وهو أمر نسبي؛ فقد يتوقف عالم دون آخر.
ومن الأصوليين من ذهب في حالة التعادل بين الأدلة إلى التخيير، وقيل: الأخذ بالأحوط، وقيل: الأخذ بالأيسر، وقيل: التساقط، وقيل: التخيير في الواجبات، والتساقط في غيرها[20].
الخاتمة:
بعد هذه العجالة، يمكن استخلاص الآتي:
• أهمية التفقه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا التفقه له ضوابط لا بد من مراعاتها، إنْ على مستوى الفهم، أو على مستوى الاستنباط.
• وقد ذكرت أن من ضوابط فهم معاني حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
• التثبت من صحة الحديث.
• التمكن من علوم اللغة العربية.
• التمكن من علم أصول الفقه.
• الاهتمام بمقاصد الشريعة.
• الرجوع إلى شروح العلماء السابقين.
• معرفة أسباب ورود الأحاديث.
• وأما ضوابط استنباط الأحكام الشرعية من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي:
• جمع النصوص الواردة في الباب.
• إزالة ما يَعرِض لها من تعارُض.
هذا ما تيسَّر إيراده، والبحثُ يحتاج إلى بسط وتوسع، لكن كان الغرض هو التنبيه عليه، وحث العزائم على سلوك سبل أهل العلم في هذا الأمر الجلل.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
________________________________________
[1] صحيح البخاري رقم (100)، وصحيح مسلم رقم (2673).
[2] أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (رقم 599)، والبيهقي في السنن الكبرى (رقم 21439)، بسند صحيح.
[3] معجم مقاييس اللغة (فقه)؛ لأبي الحسين أحمد بن فارس، تحقيق: عبدالسلام محمد هارون، دار الفكر، الطبعة: 1399هـ – 1979م.
[4] لسان العرب (فقه)؛ لمحمد بن منظور، دار صادر، الطبعة الأولى.
[5] الإحكام في أصول الأحكام (1 /19)؛ لأبي الحسن الآمدي (ت 631 هـ)، عبدالرزاق عفيفي، دار الصميعي، الطبعة الأولى، سنة 1424هـ.
[6] جمع الجوامع في علم أصول الفقه (ص: 209)؛ لعبدالوهاب بن علي تاج الدين بن السبكي (ت 771 هـ)، تحقيق عقيلة حسن، دار ابن حزم، الطبعة الأولى 1432هـ/2011م.
[7] عرَّف الجويني (ت 478 هـ) العلم في الورقات بأنه: “معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع”، وقيل: أولى أن يعرف: “معرفة الشيء على ما هو به في الواقع”.
[8] معجم مقاييس اللغة (حدث).
[9] القاموس المحيط، (فصل الحاء)؛ للفيروزابادي (ت 817 هـ)، مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف: محمد نعيم العرقسوسي، الطبعة: الثامنة، 1426 هـ – 2005 م.
[10] منهج النقد في علوم الحديث، (ص:26)؛ لنور الدين عتر، دار الفكر، الطبعة الثالثة 1418هـ -1997م.
[11] النهاية في غريب الأثر (1 /3)؛ لأبي السعادات بن الاثير (ت606 هـ)، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي – محمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية – سنة 1399هـ – 1979م.
[12] موجز البلاغة (ص:4)؛ للطاهر بن عاشور (ت 1394هـ/1973م).
[13]دروس في التصريف (ص:5) لمحمد محيي الدين عبدالحميد (ت 1392هـ/1972م)، المكتبة العصرية.
[14] ديوان المبتدأ والخبر، في تاريخ العرب والبربر، ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر (1 /763)؛ لعبدالرحمن بن محمد بن خلدون (المتوفى: 808 هـ)، تحقيق: خليل شحادة، دار الفكر، الطبعة: الثانية، 1408 هـ – 1988 م.
[15] معالم السنن (1 /3)، وهو شرح سنن أبي داود؛ لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، المعروف بالخطابي (ت 388 هـ)، المطبعة العلمية، الطبعة: الأولى 1351 هـ – 1932 م.
[16] وقد لخص عبدالله بن عبدالرحمن البسام كتاب مقاصد الشريعة من الموافقات في مقدمة كتابه “توضيح الأفكار من بلوغ المرام” (1 /61).
[17] ينظر: الموافقات؛ للشاطبي (2 /17) وما بعدها.
[18]مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول (ص:103)؛ لأبي عبدالله محمد بن أحمد المالكي التلمساني (ت 771 هـ)، دار الرشاد، الطبعة، 1425 هـ/2004م.
[19] ينظر: مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول، (ص: 113 وما بعدها).
[20] ينظر: جمع الجوامع؛ لابن السبكي (ص: 455).
:

Advertisement