آخر الأخبار :
التاريخ : 2017-03-18
الوقت : 11:45 pm

أفكار للتخلص من امتحان عام: التوجيهي مرة أخرى

كرمالكم الإخبارية

* الدكتور ذوقان عبيدات

هل هناك داعٍ لإعادة الكتابة في موضوع التوجيهي؟ ألم يتعرض هذا الامتحان إلى تحليل من مختلف الأطراف سواء كان من صقور الامتحانات أم من حمائمها. كما تعرض إلى جهود متواصلة لتطويره لم تسفر عن شيء.
فمنذ التسعينيات حاول وزير التربية إلغاء الامتحان، وحاول آخر تجزئته، وتعرض لتغييرات شكلية متعددة لم تمس سياسة الامتحان ولا محتواه ولا فلسفته ولا أهدافه، وبقي الإجماع عليه أنه شر. واختلفنا على تقييم هذا الشر، فمنهم من قال انه شر لا بدّ منه، وليس لدينا البديل، ومنهم من قال ولماذا لا نتخلص من هذا الشر ما دام الكل يعترف أنه شر!!
طالب بعضنا بالإبقاء عليه تحت شعار ليتحمل كل طالب وأسرته مسؤوليته الكاملة عن النتائج، فمن جدّ وجد، والتوجيهي حصاد لما زرعه الطالب وأسرته، ومنّا من قال يجب الانتهاء منه لأنه خدمة مجانية تقدمها الوزارة الى الجامعات "العاجزة" ولو على حساب آلاف الضحايا!!!
 إن وزارة التربية ليست معنية بتنظيم القبول في الجامعات، فلماذا إذن تصر على هذه الخدمة؟
بعيداً عن هذا الجدل، فإن تنظيم امتحان أو "اختبار" بشكل جديد، قد يخدم الطلاب والأهالي والجامعات معا، بشكل أن يكون الاختبار صادقا يقيس أهداف التعلم، وثانيا لا يعطي نتائج عشوائية وعادلا لا يحابي بيئات على حساب أخرى، وهذا ما هدفت اليه هذه الورقة.
يقتنع أنصار التوجيهي أكثر من معارضيه بضرورة تطوير امتحان التوجيهي، وتحدث الجميع عن ايجابيات وسلبيات هذا الامتحان، حتى لم يعد هناك جديد في الموضوع، واقتنع الجميع ان النتائج الكارثية للامتحان بوضعه الحالي لم تعد مقبولة، فطلابنا ذهبوا مع عائلاتهم خارج الوطن بحثا عن بدائل، ومن بقي واجه مشكلات الرسوب المرعب، ويجري الحديث الآن عن هذا الامتحان في جو من الهدوء، وبعيدا عن المواقف الثابتة المؤطرة مسبقا، فليس لدينا صقور امتحان وليس لدينا حمائم. فالكل يبحث عن بديل مناسب.
والبديل أو البدائل المطروحة يمكن تلخيصها فيما يأتي:
أولاً: بدائل تتعلق بشكل الامتحان، وهل يجري الامتحان دفعة واحدة أم دفعات، ولكل مبررات وصعوبات. وبدائل تتعلق بمكان الامتحان، فهل يجري في المدرسة أم خارج المدرسة، ولكل مبررات وصعوبات.
ثانياً: بدائل تتعلق بعدالة الامتحان، وهل تتوافر لدينا بيئة سيكولوجية ومادية عادلة أم لا، وهل يمكن أن نجد عدالة في قاعات امتحان يديرها مرب ناضج وبين قاعات يتحكم فيها معقدون بعشرات العقد؟
ثالثا: بدائل تتعلق بمحتوى الامتحان، وهل يتقدم الطلاب في جميع المواد او بعضها؟ وهل هناك مواد اختيارية أم لا؟ وما عدد المواد؟ وما نوعها؟
رابعا: بدائل تتعلق بنوع أسئلة الامتحان، وهل ستكون الأسئلة تفصيلية أم عامة؟ وهل تكون موضوعية أم مشتركة؟ وهل يعقل أن نحذف الأسئلة الموضوعية لسهولة الغش فيها؟
خامسا: بدائل تتعلق بغايات الامتحان، وهل يهدف الامتحان لقياس الحفظ أم الفهم أم النقد أم التفكير أم الابداع؟
سادسا: بدائل تتعلق باستخدام نتائج الامتحان، وهل هي لغايات الدخول إلى الجامعات وتخصصاتها المختلفة؟ أم للتكريم الاجتماعي؟ أم للحرمان من التكريم؟
سابعا: بدائل تتعلق بضرورة الامتحان، وهل هو شر لا بدّ منه أم شر يجب الاستغناء عنه؟
ثامنا: بدائل تتعلق بشكل النتائج، وهل تصنف النتائج المفحوصين إلى راسب وناجح أم إلى تقدم إلى الامتحان وحصل على...؟
تاسعا - وأخيرا، بدائل تتعلق بالجهة التي تدير الامتحان، فهل هي وزارة التربية أم مؤسسة مختصة خارجها؟.
وقد كتبت مقالات عديدة تأييدا لبديل على حساب بديل. ويكاد صاحب القرار أن يحتار وكيف يختار من هذه البدائل.
قبل البدء في مقترحات جديدة لا بدّ من ابداء عدد من الملاحظات:
الملاحظة الأولى:  أن لكل شكل من أشكال الامتحان متطلبات وشروط. فالامتحان الواحد أو السنوي يتطلب تغييرا في محتوى المواد، بحيث:
- تقل المواد كما وحجما، وتجميع أكثر من مادة في ورقة.
- تختلف نوعية الأسئلة بحيث تركز على الأهداف العامة والمهارات لا على الحقائق والمعلومات.
- تختلف طرق إعداد الطلبة للامتحان، وهذا يتطلب تغييرا في طرق التدريس.
أما امتحان الدفعتين، فيتطلب:
- تغيير نوع الامتحان الثاني عن الأول، بحيث يتمكن الطالب في الامتحان الثاني من ان يتجاوز اخطاء وقع فيها في الامتحان الأول.
- التركيز أيضاً على مبادئ عامة وقوانين وليس على حقائق جزئية.
ومهما  كان الامتحان: دفعة أو اثنتين، فعلى الممتحن ان لا يسرف في طلب تفاصيل، فإذا كان التعلم
هو "ما يبقى مع الطالب بعد أن ينسى المادة"، فإن الامتحان يجب أن يقيس فعلاً ما بقي مع الطالب بعد نسيان المادة، وهذا يعني بدقة:
أن يقيس مبادئ ومفهومات ومهارات وقيما حياتية وليس معلومات قابلة للتسرب والضياع.

الملاحظة الثانية: تتعلق بتكامل العملية التربوية وهي المنهج وطرق التدريس واستراتيجيات الامتحان، فلا يجوز تعديل الامتحان دون طرق التدريس أو دون تعديل ما يطلب من الطلبة في الكتب ومواد الامتحان.
فأي عملية تغيير، يجب أن تكون معلنة مسبقا أمام المعلمين والطلبة والأهالي، ولا يجوز مفاجأة أي منهم بأي تغيير قبل وقت مناسب للتكيف مع التغيير، ولازلنا نتذكر ما أعلنه مسؤول تربوي قبل الامتحان بيوم، في أنه غير نوع الأسئلة!! حدث هذا في العام الماضي وليس في الجاهلية.
الملاحظة الثالثة: تتعلق بنتائج الامتحان، ودوره، فالامتحان ليس أن يكرم المرء أو يهان!! الامتحان موقف تربوي تعليمي، لا قيمة له اذا لم يكن مربياً ومعلماً للمعلمين والطلاب. وغني عن القول ان الامتحان بشكل عام يقيس جهد المدرسة والمؤسسة التربوية، وليس جهد الطالب وأهله، وان من حق الطالب ان يحصل على نتائج امتحانه، حيث لا معنى لكلمة راسب أو ناجح، فلا معنى للرسوب إذا نجح الطالب في اكثر من مادة؟ ولماذا يعتبر راسبا فيها علما بأنه حصل على علامة النجاح؟
من حق الطالب ان يحصل على نتيجة تقول: تقدم للامتحان وحصل على الدرجات الآتية.. الخ. دون ذكر راسب وناجح، فلا داعي لمن سيذهب الى كلية الطب أن يحصل على علامة عالية في الجغرافيا!! او التاريخ!! ولا داعي لمن سيذهب الى كلية عسكرية أن يكون ملماً بتفاصيل مادة لا علاقة لها بذلك!
إن العملية التربوية الحالية لا تؤمن بتكامل المواد الدراسية الا في الامتحان فقط!! فما معنى أن ندرس مواد منفصلة، ونطلب نجاحا مترابطا؟؟
نحتاج الى ترابط المواد في اثناء التدريس او في اثناء حل مشكلة أكثر مما نحتاج الى ترابطها في كشف العلامات او في النجاح أو الرسوب.
ان معايير النجاح يجب ان لا ترتبط بدرجة ما او متوسط ما، فالاخصائيون وعلماء القياس يعرفون طرقا عديدة لحساب الدرجات والمستويات ليس أهمها المتوسط الحسابي والاقتراب أو الابتعاد عن علامة 50!!

الملاحظة الرابعة: تتعلق بالقيمة الهائلة للتوجيهي، وفي امتلاكه حق تقرير المصير، ان الطالب تخرج من المدرسة، واجتاز متطلبات النجاح فيها، وحصل على شهادة بذلك، فما الداعي لامتحان آخر لا علاقة له بالمدرسة أو بما تعلم بل تنحصر علاقته في ما سيعمل لاحقاً في حياته.
وعلى أي حال، إذا أردنا ان تكون للامتحان مكانته وقيمته الحالية، يجب أن يكون ثابتا، عادلاً، وشاملاً.
ففي الثبات يفتقد الامتحان الى مقومات الثبات، والاّ كيف نفسر تغير نسب النجاح بين سنة وأخرى في نفس المادة؟؟
كيف تكون نسبة النجاح في اللغة العربية 60 % في سنة ما و 40 % في سنة أخرى؟ هل تغير المعلمون؟ المنهج؟ ام عشوائية الامتحان؟
وفي العدالة، ففي كل زاوية ومجال فإن غياب العدالة هو العنوان سواء في البيئة المدرسية أو المنزلية او مستوى المعلمين او ثقافة البيئة المحلية وهكذا تتبدى عدالة التوجيي كعدالة مضحكة!!
وفي الشمول، فإن احداً لا ينكر أن الامتحان يفشل في قياس ما يجب قياسه، وأن التوجيهي "يقيس ما يسهل قياسه لا ما يحب قياسه"
وبذلك يقيس اجزاء متناثرة مع معلومات لا تعكس أي بعد أو هدف تربوي.
ان الامتحان الشامل هو ما يقيس السلوكات الأساسية المطلوبة من اتجاهات ومهارات وقرارات وقدرات على حل مشكلات مترابطة لا اجزاء متناثرة.
الملاحظة الخامسة: تتعلق بمستويات الامتحان، فالمدرسة تمتحن الطلاب فيما تعلموه من حقائق، كما يمكنها ان تقرر أو تقدم معلومات عن ميول الطالب وشخصيته واهتماماته، وهذا هو الجزء المهم في تفييم الطالب، ولكننا نجد ان مصير الطالب لا يتقرر برأي مدرسته بل برأي فاحصي التوجيهي ومصححيه، بما قد يمتلكون من أنماط جامدة غير متحركة.
واذا كانت المدرسة مستبعدة، فقد آن الأوان لإدماجها في تقييم الطالب، وتقرير مدى ادراكه للجزئيات والحقائق، وعلى التوجيهي إذن ان يبحث عن هدف غير هذا.
ويكون تقييم الطالب مرتكزاً على عدة جوانب كالمدرسة والمقابلة وامتحان عام جديد شكلا ومضمونا ولا يحمل اسم التوجيهي.
 حلول ومقترحات
يمكن عرض المقترحات الآتية:
1 - الإعلان المسبق عن طبيعة الامتحان القادم ومشكلته وأهدافه وأوراقه.
2 - نوعية المعلمين والطلبة بأدوات الامتحان قبل فترة كافية. لتتكيف أوضاع المعلمين والطلبة والأهل مع متطلبات الامتحان القادم.
3 - تشكيل لجان فنية لتحديد أبرز نتاجات كل كتاب مدرسي بحيث لا تتجاوز ثلاثة نتاجات، وتكون الأسئلة مرتبطة بقياس هذه النتاجات فقط.
4 - تنوع الاسئلة بحيث تقل الاسئلة المعرفية المباشرة وتزداد اسئلة الفهم والاستيعاب والتحليل والتقويم، وحل المشكلات.
5 - يتم الامتحان ما أمكن في نفس بيئة التعلم وهي المدرسة دون التكلف بإعداد بيئات متغايرة. فالجو النفسي للامتحان مهم في تبديد قلق الطالب والأهل.
6 - يتم التقدم الى الامتحان في ثلاث أوراق كحد أعلى:
لغات، علوم انسانية، علوم ورياضيات.
7 - يعطى كل طالب كشفا بما حصل عليه من علامات دون تحديد الرسوب والنجاح.
8- تكون علامة التوجيهي جزءا من تقييم الطالب، لا يزيد على 50 % والباقي للاختبار المدرسي، وملف الطالب.
9 - يحق لكل طالب إعادة أي ورقة في فترات عقد الامتحان والتي قد تكون من فترتين إلى ثلاث.
10- يكون الامتحان في الورقة كاملاً في كل المادة، وليس في جزء منها.
إن استمرار امتحان التوجيهي بشكله الحالي يفتقد إلى المشروعية. فهو يقيس تحصيلاً دراسياً سبق قياسه في المدرسة، ثم انه لا يقيس مختلف أهداف المرحلة الثانوية ما يفقده مبررات وجوده. فلا بدّ من التحرك وبسرعة حتى تتمكن الوزارة من تطويره ولو بعد عام. ــ الغد

Advertisement