آخر الأخبار :
التاريخ : 2017-03-19
الوقت : 09:51 pm

د . خالد عبد اللطيف .. يتحدث عن الوقف الخيري

كرمالكم الإخبارية

بقلم الكاتب و المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد اللطيف ــ  المدير التنفيذى لجامعة بيرشام الدولية بأسبانيا ــ رئيس تحرير جريدة الأمة العربية ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولي :
مما لاشك فيه أن الوقف الخيرى شرعة ومفخرة (1) قال الله تعالى ( ما أفاء الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[2].

وقال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: ((إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلاّ من ثلاثٍ: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفَع به، أو ولدٍ صالح يدعو له))[3].

يأمر الله – عز وجل – بحبس عين المال الذي يخضع للبقاء، وهو الأرض والعقارات التي أفاءها الله على المسلمين، على أن يُصرف خراجُها إلى مصالح المسلمين وأفرادهم جيلا بعد جيل، بدءًا من المهاجرين، فالأنصار، فمن سيأتي بعدهم إلى أن يرث اللهُ الأرضَ ومن عليها، لتشترك هذه الأجيالُ كلها في الاستفادة من ريعها والنيل من ثمارها وخيراتها.

وقد فهم الراشدُ الثاني عمر – رضي الله عنه – هذا المعنى الواضح من هذه الآيات، واحتج بها على ما قضى به من حبس سواد العراق وأراضي مصر عن التملك والتداول، ليستمر ريعها صدقةً جارية يستفيد منها المسلمون عصرًا بعد آخر، وأيَّده في ذلك أغلبُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وغنيٌّ عن البيان أن هذا اللون من التكافل الاجتماعي لا تعرفه قديمًا ولا حديثًا إلا أمَّة الإسلام[4].

عن عبدالله بن عمر – رضي الله – عنهما أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي – صلى الله عليه وسلم – يستأمره فيها، فقال: إني أصبتُ أرضًا بخيبر، لم أُصِبْ مالا قط هو أنفس عندي منه. فقال الرسول – صلى الله عليه وسلم -: ((إن شئت حبَّست أصلَها وتصدقت بها))؛ فتصدَّق بها عمرُ – رضي الله عنه – على أنه لا يُباع أصلُها، ولا يورث، ولا يوهب، لا جناح على من وَلِيَها أن يأكل منها بالمعروف، أو يُطعم صديقًا غير مُتموّل مالا[5].

والمشهور أن وقف عمر – رضي الله عنه – هذا هو أول وقف في الإسلام، وكان له أثر كبير في النهضة العلمية والحضارة الإسلامية؛ إذ قدَّم مساعدةً كبيرة لفئات عدة في المجتمع الإسلامي، وخاصة الفئات الفقيرة والعاجزة وذات الاحتياجات الخاصة[6].

وحديث أبي طلحة – رضي الله عنه – في وقفه لأحب ماله إليه (بيرحاء) صدقة جارية لله، معروف ومشهور، وأمَّا خالد – رضي الله عنه – فقد احتبس أدراعَه وأعتُدَه في سبيل الله.

وذهب الشافعي إلى أن ملكية العين الموقوفة تؤول إلى الله عز وجل، واختار مالك وأبو حنيفة أن ملكية الموقوف تظل باقية لمالكها الذي وقفها، مستدلين على ذلك باستمرار الثواب للواقف ما استمرت العين الموقوفة، أما الإمام أحمد فيرى أن الملكية تتحول إلى الجهة الموقوف عليها، نظرًا إلى أنها الجهة المستفيدة[7].

واتفق جمهورُ الفقهاء على أنَّ صلاحية التصرف في الموقوف تنقطع منذ وقفه من جهة المالك، وانفرد الإمام أبو حنيفة بقوله: “إن حق المالك في التصرف في العين الموقوفة يبقى مستمرًّا”[8].

وفي تنوير الأبصار: “.. وصح أيضًا وقفُ كل منقول فيه تعامل الناس، كفأس وقدوم، ودراهم ودنانير..”[9]، وحتى البضائع الخاضعة للكيل أو الوزن مما يستهلك كالحبوب التي تقتات، والبضائع الأخرى التي لا تؤكل، يجوز وقفُها عند الأحناف للمحتاجين على وجه الإقراض.

والوقف عند الجمهور غير الحنفية سنَّة مندوب إليها؛ قال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}[10]، وقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ}[11].

والوقفُ من خصائص الإسلام، وهو مما اختص به المسلمون، وما بقي أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له مقدرة إلا وقف[12].

وحكمة الوقف:
في الدنيا بر الأحباب، وفي الآخرة تحصيل الثواب[13]، وتأمين مورد دائم للفقراء والمحتاجين وللجهات الخيرية والدينية.

وللوقف أركان أربعة:
الواقف، والموقوف، والموقوف عليه، والصيغة: أي اللفظ الدال على معنى الوقف، مثل: أرضي هذه موقوفة على المساكين، أو موقوفة لله، أو على وجه الخير..[14].

ويشترط في الواقف[15]:
أن يكون حرًا مالكًا عاقلا بالغًا رشيدًا. وأجاز الشافعية وقف الكافر ولو لمسجد، ويثاب على صدقاته في الدنيا، فمجتمعنا تسودُه المكارم والمشاعر الفياضة، والنفوس المشرقة بالرفق تتدفق بالبِر والإحسان عبر الكثير من الأبواب التي تصب في الخير المطلق[16]، أما المريض؛ فإن كان في حالة يغلب عليها الهلاكُ، فإنه لا يجوز وقفُه فيما زاد على ثلث ماله[17] رعاية لحق الورثة في التركة.

ويشترط في الموقوف:
أن يكون مالا متقوّمًا – أي: يجوز الانتفاعُ به شرعًا – معلومًا، مملوكًا للواقف ملكًا تامًّا.

والموقوف عليه، إما أن يكون معينًا أو غيره، فالمعين، إما واحد أو اثنان أو جمع، وغير المعين مثل: الفقراء والعلماء والمجاهدين والمساجد والمدارس، وأجاز الفقهاءُ استبدال الوقف وبيعه للضرورة[18]، وقال الفقهاء بعدم جواز الوقف على تزويق المسجد أو نقشه، ولا على عمارة القبور[19].

ويجوز للمتولي أمر الوقف أن يأكل منه بالمعروف، وهو القدر الذي جرت به العادة[20].

ولقد تفنن المسلمون الأوائل في تخصيص أوقافهم وفي توجيهها إلى حال من الإحسان، حتى بلغت ما لا يخطر على بال إنسان في شرق ولا في غرب، فإلى جانب أوقاف المساجد، والأوقاف المخصصة لطلاب العلم، وإيواء المعوقين والمرضى، يذكر الرحالة المعروف ابنُ بطوطة المتوفَّى سنةَ سبع وسبعين وسبعمائة للهجرة، في كتابه (تحفة النظار) بعضَ ما شاهده في دمشق في أثناء تَطْوافِه فيها، فيقول: (الأوقاف بدمشق لا تحصر أنواعُها ومصارفها، فمنها أوقاف على العاجز عن الحج، يعطى لمن يحجُّ عن الرجل كفايته؛ ومنها أوقاف على تجهيز البنات إلى أزواجهن، وهن اللواتي لا قدرة لأهلهن على تجهيزهن؛ ومنها أوقاف لفَكاك الأسرى؛ ومنها أوقاف لأبناء السبيل.. ومنها أوقاف لسوى ذلك..).

وذكر الأديب الكبير “محمد كرد علي” في (خطط الشام): “.. ومن غريب الأوقاف وأجملها: قصر الفقراء الذي عمَّره في ربوة دمشق نور الدين محمود بن زنكي[21] فإنه لما رأى في ذلك المتنزه قصورَ الأغنياء، عزَّ عليه أن لا يستمتع الفقراءُ مثلهم بالحياة، فعمَّر القصر ووقف عليه قرية “داريا”، وهي أعظم ضياع “الغوطة” وأغناها”، وفي ذلك يقول تاج الدين الكندي:
إنَّ نور الدين لما أن رأى في البساتين قصورَ الأغنياءِ
عمَّر الربوة قصرًا شاهقًا نزهة مطلقة للفقراءِ

ووقف الملكُ المظفر الأول تقي الدين عمر بن شاهنشاه صاحب حماة [22] وقفًا على جماعة خيَّالة ورجَّالة برسم الجهاد، وشرط عليهم أن يكونوا في أقرب الموانئ إلى دمشق، فصاروا يجولون على شواطئ البحر المتوسط، حتى إذا استوطن المسلمون مدينة بيروت -بعد دحر الصليبيين وإخراجهم منها- استقر المجاهدون فيها لقربها من دمشق.

إنه مجتمع الإسلام المبارك المتراحم الناصح، الذي يشعر الجميع بغاية إنسانيته[23]؛ فالإسلام دعا إلى الوقف الخيري لأنه دين الفطرة، بدعوته الملحة إلى البِر بالناس وإلى الصدقة الجارية في نصوص كثيرة؛ فمضى المسلمون بهدي الفطرة وآداب الدين يقفون أموالهم على المستشفيات والمساجد، وعلى دفن الموتى، وعلى التعليم والسياحة في الأرض، وكفالة الفقير واليتيم؛ بل لقد أشركوا في برهم الحيوان مع الإنسان[24].

والإسلام عندما حضَّ على مبدأ التكافل الاجتماعي والعمل الخيري والإنساني، فإنه في الوقت نفسه بيَّن المواردَ الأصلية والأساسية لتلك الحاجات والمطالب، مثل: الزكاة والغنائم والركاز إلى جانب الوقف[25] الذي يقدم الكثير في المجالات الاجتماعية والصحية والتعليمية وغيرها[26].

والتشريعات الخاصة بالوقف الإسلامي تؤكد أصالة الشريعة الإسلامية، وأن الفقه الإسلامي لم يتأثر بالقانون الروماني ولا بغيره من القوانين التي لم تعرف نظام الوقف ولا تشريعاته[27].

وإذا كانت الحضارة الإسلامية قد شهدت ازدهارها في هذا الوقت؛ فإن الوقف كان له أثر رئيس في ذلك، حتى يصح أن ندعوه مع بعض الباحثين: صانع الحضارة الإسلامية[28]، ومصدر حيوية المجتمع وفعاليته، ووسيلة للحفاظ على غايته ومثله النبيلة، وليس بخافٍ على أحد أن تعاليم الإسلام بشأن الاقتصاد في غاية الشمولية؛ بحيث يحقق التوازن ويغطي احتياجات الإنسان.

إنه سبيل الخلود، تفردنا به يوم كانت الدنيا في غفلة وجهل وتظالم.

 

Advertisement