آخر الأخبار :
التاريخ : 2017-10-21
الوقت : 04:50 pm

"المحكمة العجيبة" ... الخيبة وقضم الأصابع

كرمالكم الإخبارية

بقلم بكر السباتين

 وقف المحامي أمام القاضي الثلاثيني شارحاً ما تيسر له من تفاصيل القضية الموكلة إليه، ومركزاً أثناء ذلك على الجرح المعنوي الذي تسبب به الجاني على الضحية، وبصوت مؤثر، أخذ يشرح قائلاً بعد أن التقط أنفاسه إزاء هيبة القاضي المعروف بصرامته رغم صغر سنه:

 " ها هو الطالب فريد الذي دخل في حالة اكتئاب نتيجة العصا الغليظة التي لسعت أطراف أنامله" ..

ثم مشيراً ببنانه إلى قفص الاتهام حيث كان يقبع فيه الظنين الخمسيني وهو مطأطأ الرأس، وقد ابيضّ شعره، وطوقت التجاعيد عينيه المهزومتين، بدا والدموع تنفر من عينيه كالقابض على الجمر، ربما هرب بروحه من هذا الموقف المذل تاركاً جسده منطوياً على بطنه الضامر الذي ينبض في جوفه قلب مجروح، وجبينه مدموغ بالخيبة فيما الذهول يعربد في وجهه الشاحب المكفهر "بمنتهى الخضوع والمهانة".. كأنه مقبوض عليه في مأخور يتوارى خلف محسوبيات المتنفذين، وكان يشعر بذلك فيهتز بدنه كلما تسللت أنظاره لقراءة ما يجول في خاطر والد الطالب المشتكي  فلا يجد سوى قساوة الصخور فينهزم من جديد، وشعر  أثناء موقفه العصيب كأنه ذلك المغبون الذي اختلف مع سلطان جائر فأمر بوضعه على دابة  لتطوف به الحواري والأسواق بالمقلوب، بينما الأطفال يزفونه كمخبول ذي حظ عاثر في زمن الأوغاد، وها هو المحامي بقامته المديدة، وكرشه المندلق، وبعينين جائعتين، أخذ يكمل المرافعة متزلفاً للضحية، فيما هو يتقمص دور الحمل الوديع:

"وذاك الظالم يا سيدي تخيل كيف به يهوي بعصاه الغليظة على يدي  الطالب فريد دون شفقة أو رحمة، فقط لأنه شتمه مهدداً إياه بوالده المتنفذ المعروف، والده الذي ما توانى يوماً عن الوقوف إلى جانب الموطن في كل المواقع التي تقلب فيها!"..

لكن القاضي طلب من المحامي الدخول في الموضوع مباشرة.. وكان أثناء ذلك يقلب ملف الضحية وما احتواه من تقارير طبية، وعلاقة الأب بالمدرسة ليكتشف بأنه عضو مجلس إدارة فيها، ولمس من تقرير مدير المدرسة بأن حظ المدرس الظنين من البراءة عاثر، حتى استوقفه اسم المدرس، نعيم رجب، حاول القاضي جاهداً أن يستجلي ملامحه وهو مهزوم في القفص فلم يظفر بذلك، لكنه التقط إشارة من ومضة لمعت في عينيّ المدرس الظنين كانت توحي بأنه تعرف عليه، فاهتز قلب القاضي وارتبك عقله، بعدما تأكد من أن ذلك المدرس الظنين ما هو إلا المدرس عينه الذي علمه مادة اللغة العربية في المرحلة الثانوية، وقد جمعهما  في إحدى الأيام الفاصلة في حياته الموقف ذاته، لا بل وتعرض حينها للضرب المبرح من قبله حتى استوى حاله وانضبط في دراسته، فتبوأ بسبب ما كان عليه المدرس من صرامة في التربية والتعليم هذه المكانة المرموقة في سلك القضاء، فدمعت عينا القاضي، ما لفت انتباه محامي الدفاع الذي ترجم ذلك على اعتبار أنه  مؤشر تعاطف منه لصالح موكله، فأكمل موضحاً سبب شتيمة المجني عليه لمعلمه في محاولة منه لاستدرار عطف القاضي الذي كان يتأجج غضباً في حشاياه:

"لقد دأب الجاني على نعت موكلي  بالولد الفاشل أمام زملائه، لا بل سأله أثناء الاعتداء عليه متجنياً، ومشككا بأخلاقه حينما اكتشف بعض الاحمرار  في عينيّ الطالب الذي كان حينها يعاني من حالة استلاب سيطرت عليه: لماذا لا تسيطر على نفسك يا بني !؟ فهل تتعاطى الحبوب المخدرة كما يشاع عنك!؟ أحضر غداً ولي أمرك ولا تدخل غرفة الصف بدونه!؟

فمن الطبيعي أن يردّ الطالب على معلمه غير اللبق بأن والده لو جاء سيحطم رأسه العفن ويعرفه مستواه القذر؛ لينهال عليه هذا الوحش بالضرب المبرح، هذا المعلم الظالم الذي كان من المفروض أن يستأمن على طلابه"..

كانت عينا القاضي  شاخصتين على الطالب المشتكي وهو يحدج معلمه في قفص الاتهام بنظرات متشفية، بينما ذراع والده تطوقه بحنان؛  ولكن القاضي لم يكن قادراً على التبيُّن من ردة فعل المعلم الظنين إزاء نظرات تلميذه العاق، إذ كان منكساً نظراته قهراً، فمر القاضي عن المشهد سريعا درءاً للحرج، وسأل محامي الدفاع بغتتاً:

هل تحترم معلمك اذا ما صادفته ذات يوم في موقف ما!؟

فأجاب مستهجناً الأمر:

بلى، وسوف أقبل جبينه!

لذلك نزل القاضي عن المنصة، وتقدم من قفص الاتهام بإجلالً، ومد يده من بين القضبان، ثم سحب يد المعلم برفق والذي  أدرك أن هذا سيحدث، فرفع رأسه بسمو وكبرياء، والقاضي يقبل يد معلمه باحترام  جمّ وسط ذهول كل من في القاعة، قائلاً بصوت جهوري مسموع:

"لولا شدتك عليّ وأنا طالب في عهدتك، لما تبوأت هذه المكانة، أنت بريء، وسيفرج عنك في الحال، واعتذر منك بالنيابة عن المجتمع.

لكن المفاجأة كانت أن عبد الجبار والد الطالب الأرعن تذكر معلمه أخيراً، وتلاقت عيونهم،  وهمس المعلم للقاضي:" كنت أداري وجهي عنكما، عبد الجبار كان متفوقا في دراسته لكن المال أفسد اخلاق ابنه، أما أنت فقد أشعرتني بالزهو والفخر، كأنني احتصلت على نيشان".. صفق جميع من في القاعة، إِلَّا الطالب المشتكي فريد الذي شحب وجهه وأكلت الخيبة رأسه المعصوف بالأسئلة المبهمة.

Advertisement