آخر الأخبار :
التاريخ :
الوقت :

شيوخ العرصات... الدعارة في مصر...؟!

كرمالكم الإخبارية

كتب تحسين التل:- كانوا يطلقون على الدعارة؛ أقدم مهنة في التاريخ البشري، حتى أن البعض كان يطلق على التلاعب في السياسة: دعارة سياسية، وقد أكد ميكافيلي على أن السياسة لا أخلاق لها، وشبهها بالسيدة التي تتلاعب في مشاعر الآخرين عن طريق الجسد، أما نابليون فقال إنها مهنة من لا مهنة له، ولا تحتاج الى رأس المال مثل أي مشروع آخر.
انتشرت الدعارة في مصر كانتشار النار في الهشيم، فالمجتمع المصري مر عليه أخلاط من البشر لا تعد ولا تحصى، من العرب، والشركس، والمماليك، وغيرهم الكثير، وكانت الأرضية مناسبة لفتح بيوت للدعارة بسبب المشاكل والصراعات التي كانت تحدث في المجتمع المصري، وتنافس السلاطين على حكم مصر، وحتى يبتعد الشعب عن السياسة وهمومها بدأوا يبحثون عما يلهيهم عن التدخل بالسياسة فعملوا على فتح بيوت البغاء، وكان ذلك في العهد الأيوبي.
بدأت مهنة الدعارة في مصر عام 1200م في بداية العصر الأيوبي، وتم تقنينها لأنهم اعتبروها تجارة مربحة، وكان الهدف من تقنينها؛ حتى يمكنهم فرض ضرائب على هذه المهنة، وأُطلق على الضريبة الجديدة: الحقوق السلطانية، وأنشأوا إدارة مختصة لجمع الضرائب تابعة للشرطة، مهمتها التفتيش على بيوت الدعارة وجمع الأموال.
ضمت الإدارة الجديدة حوالي 40 شرطي، يطلق عليهم: جاوشية باب اللوق، وكانت وظيفتهم؛ حصر العاهرات، والنساء اللاتي لا يرجعن الى بيوتهن بعد منتصف الليل، وكانت الدولة المصرية عينت عدداً من الشيوخ لمرافقة الشرطة وكانت الحكومة تسميهم: شيوخ العرصات، أي شيوخ ومخاتير الأحياء، أحدهم مسئول عن بولاق، والثاني عن وسط القاهرة، والثالث مسئول عن مصر القديمة.
كانت مهمة شيوخ العرصات، أو مخاتير العرصات الرئيسية جمع الضرائب من العاهرات، وبقي الوضع على ما هو عليه حتى جاءت الحملة الفرنسية عام 1798م فعملت على تنظيم المهنة وذلك بتخصيص حي الأزبكية لتجميع بيوت الدعارة هناك، ودفع رسم على كل شخص يحمل وصل أو تذكرة دخول من السلطات الفرنسية يثبت بأنه دفع (دخولية) لممارسة الفاحشة بطريقة رسمية.
عندما وصل محمد علي باشا الحكم في مصر سنة 1805 ترك بيوت الدعارة ولم يعمل على منعها حتى وطد حكمه فبدأ يعمل على تقنين المهنة، ومنح صاحبها ترخيص مناسب بتقديم طلب للإدارة المحلية، أو وفق اختيار المحافظ أو الحاكمدار وأن تكون هذه البيوت معروفة، وأن يكون لكل بيت باب واحد فقط حتى تتمكن السلطات الحكومية من حصر المهنة بالشكل المطلوب.
ومن شروط منح رخص بيوت الدعارة أن لا يكون هناك نشاطات ثانية بالإضافة لمهنة الدعارة، مثل القمار، وتدخين الحشيش، أو بيعه والمتاجرة بأية أصناف تمنح ربحاً إضافياً لصاحب مهنة الدعارة، أما العاهرة التي تلقي الشرطة القبض عليها وهي تمارس مهنة الدعارة دون ترخيص، كان يمنحها الحاكم الإداري مهلة ثلاثة أشهر لتصويب أوضاعها، وتستخرج الرخصة التي تعطيها الحق من ممارسة مهنتها بشكل قانوني، وكانت تُسجل في سجل خاص اسمه: سجل البغايا، وكان السجل يحتفظ باسم الداعرة، وشهرتها، ومكان سكنها، وتفاصيل جسدها، وتحمل الرخصة العنوان التالي: رخصة لممارسة مهنة عاهرة.
في العام 1834 أصدر محمد علي باشا قرار بإبعاد المومسات والراقصات الى مناطق بعيدة خارج القاهرة، وفي عام 1837 ألغى الضرائب عن بيوت الدعارة بعد تحقيق نمو اقتصادي في مصر، وبعد وفاة محمد علي باشا جاء الخديوي سعيد وفي عهده تمكن الإنجليز من فتح بيوت ضخمة لممارسة كل أنواع الفواحش، ابتداء من الدعارة وصولاً الى الرقص، والحشيش، والأفيون، والخلاعة بجميع أنواعها والتي كانت تميز فترات حكم الأجانب وكان الإنجليز وغيرهم يحتكرون أحياء بأكملها بحيث أن المحافظ، أو مدير الشرطة والقضاة لا يمكنهم استصدار أوامر قضائية للدخول الى بيوت الدعارة إذا كان صاحبها إنجليزي أو أجنبي.
توافدت عاهرات أوروبا بعد أن عمل الخديوي سعيد على منح الإمتيازات للأجانب، وفتحت مصر أبوابها لكل سفالات الغرب، حتى أصبح المواطن المصري غريب في بلده، أو يعمل في بيوت الدعارة والخمارات عند الأجانب الذين امتهنوا كرامته لتحصيل ثمن رغيف الخبز لإطعام أطفاله، وقد وصلت سفالة الأجانب حد تشغيل لواء في الشرطة لحماية الكراخانات، والمواخير، والكباريهات.
وصل عدد العاهرات الأجنبيات حوالي 12500 عاهرة في القاهرة، أي ضعفي العاهرات المصرية، ما عدا الأجنبيات العاملات دون ترخيص، ويفوق عددهن على 20 ألف فتاة، مما اضطر الفتيات المصريات الى الهروب من القاهرة وفتح بيوت بعيدة عن مركز الحكم المحلي، والشرطة، والمحافظة.
تم تصنيف المهنة على النحو التالي:
القواد، وهو رأس الهرم في مهنة الدعارة، وهو الشخص الذي يقبض الأموال، ويشغل الداعرات في المهنة مقابل منح كل داعرة من شلن الى عشرة قروش.
السحابين: ومهمتهم تقتصر على سحب الفتيات اللاتي يرغبن بالعمل، وسحب الزبون والتسابق للحصول على الفريسة، وكان لكل بيت سحاب يعمل على إقناع الزبون بالفتيات الممارسات لمهنة البغاء، وكان يأخذ قرش على كل زبون، ما عدا الإكرامية من الزبون نفسه إذا خرج مستمتعاً من الوكر.
البطرونة، أو البدرونة: وهي العايقة التي بلغت الخمسين ولم تعد تعمل، ومهمتها الجلوس خلف الطاولة، ومراقبة عمليات الدعارة، والسيطرة على أمن وراحة الزبائن.
العايقة: وهي التي وصلت الى سن الخمسين، ومهمتها تزويق البنات العاهرات وتجهيزهن للعمل، بعد أن تقبض من الزبون حصتها على أنها جهزت له واحدة من أجمل فتياتها.
عام 1949 وصل النائب سيد جلال الى مجلس الشعب المصري عن منطقة باب الشعرية، وبقي نائب المنطقة لمدة 50 سنة كاملة حتى عام 1995 وقرر أن يلغي بيوت الدعارة المرخصة، فدعا وزير الشئون الإجتماعية جلال فهيم باشا لزيارة أحد الأحياء المصرية دون أن يخبره بأن الحي هو مجرد وكر للدعارة، وعندما وصل موكب الوزير اعتقدت العاهرات بأن الوزير هو أحد الأثرياء وجاء ليستمتع؛ فهجمن عليه حتى قطعن ثيابه، مما أدى الى استصدار قرار في اليوم التالي للواقعة بإلغاء بيوت الدعارة من مصر.
لكن، هل ألغيت بيوت الدعارة أم ما زالت المهنة موجودة، بل ربما زادت عن ذي قبل عشرات المرات...

Advertisement