آخر الأخبار :
التاريخ : 2017-11-14
الوقت : 05:57 am

دعوة لوثيقة جديدة تنظم عادات التقاضي العشائري

كرمالكم الإخبارية

في العام 1976، تم إلغاء القانون العشائري، لكن ظلت بعض إجراءات القضاء العشائري متبعة إلى اليوم، وهو ما طرح وما زال أسئلة عن أسباب ذلك والهدف منه.

لا ينكر أحد أن الجميع في الأردن يعرف بعضه البعض، وأن العشائر تأخذ «خاطرا لبعضها البعض»، وأن الدور المجتمعي الذي يقوم به الوجهاء في عشائرهم وعائلاتهم من شأنه أن يخفف الكثير مما قد ينشأ بين بعضها من توتر نتيجة حوادث فردية هنا أو هناك.

لذلك، ظلت العادات العشائرية المتبعة في قضايا القتل والتعرض للعرض والشرف وتقطيع الوجه وحرمة المنازل، وما إلى ذلك من حوادث أو جرائم، لها حضورها الطاغي والمطلوب مجتمعيا لما لها من فوائد جمة تساهم في استتباب الأمن وفي حفظ حياة أهل الجاني من التعرض للثأر.

من تلك العادات التي ما زالت متبعة إلى اليوم «الجلوة» وهي أن تجلو عائلة وأقرباء الجاني عن أماكن سكناهم إلى أخرى حفاظا على أرواحهم بعد ارتكاب أحد أقربائهم جريمة من التي أشرنا إليها سابقا وذلك حفاظا على أمنهم.

غير أن «الجلوة»، بما لها من فوائد حقن دماء عائلات وأسر من أن تكون هدفا للثأئر، إلا أنها ساهمت في إحداث ضرر كبير على عائلات وأسر كثيرة لا ذنب لها بما اقترفه أحد المنتمين إلى ذات العائلة أو العشيرة من جرم، وقد يكون الكثير من أفراد العشيرة لا يعرفون الجاني بشكل مباشر أو لم يلتقوا به أبدا، إلا أن ذنبهم انحصر في نسبهم لذات عائلة الجاني، أو ما يعرف بـ «الفخذ العائلي».

في كثير من قضايا القتل أو العرض، تم إجلاء عائلات يتصلون بالجاني بالجد الثالث أو الرابع وربما الخامس، وهذا ما سبب أزمة كبيرة للكثير من العائلات والأسر، عندما يكونون مضطرين في لحظة تاريخية ما أن يغادروا أماكن سكناهم تاركين خلفهم بيوتهم وأسباب رزقهم ومتجهين إلى مكان مجهول وغريب عنهم.

وهذا ما قد يساهم في خلق إشكاليات مجتمعية جديدة، عندما تكون أماكن الرزق من محلات تجارية ومزارع عرضة للخطر أو التلف أو الخسائر، وعندما يزيد النزوح من اثقال كاهل عائلات عندما يجدون أنفسهم في بيوت مستأجرة لا يقوون على دفع أجرتها في وقت هم بأمس الحاجة فيه إلى تأمين قوت عيالهم، وعندما تجد عائلات مكونة من بضعة أفراد بالكاد يتسع إليها منزلهم وقد أضيف إليها أعداد أخرى فجأة من الذين لجأوا إليهم، وأخذوا يتقاسمون معهم منزلهم الصغير وطعامهم القليل.

هذه الحالة، من شأنها أن تخلق أزمات جديدة ومتعددة ناجمة عن أزمة الجريمة التي تعرضوا لأجلها للجلوة، وقد ينتج عنها مشاكل بين عوائل نازحة عن بيوتها وبين عائلة الجاني، أو بين عائلات نازحة وبين العائلات التي تستضيفها، وهو ما يعني أن «الجلوة» قد تساهم في إحداث أزمة أو أزمات جديدة بدل من أن تكون سببا في الحل أو شيوع الأمن والحفاظ على الأرواح.

في العام 1987 نظمت وزارة الداخلية وثيقة تحدد فيها العادات والإجراءات العشائرية المتبعة في مثل هذه القضايا، وحددت فيها الجرائم التي تنطبق عليها الجلوة، وهي القتل العمد والعرض، وحددت الجلوة بالأقارب من الجد الثاني.

وهذه الوثيقة وشّحت من قبل جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال، ووقع عليها شيوخ العشائر بالمملكة الذين رأوا آنذاك أنها مناسبة وتتطلب التطبيق حالا، غير أن ما نشهده اليوم من إجراءات في بعض القضايا يشكل خروجا على ذلك الاجماع وهو ما يستدعي التوقف عنده مليا باتجاه إعادة النظر في الجلوة وربما أيضا في الاعراف العشائرية الأخرى التي ترتبط أيضا بالتخفيف على العائلات الجهد والمال وما إلى ذلك.

بالتالي، وبما أن «الفخذ العائلي» بمجموعه ليس له علاقة بما ارتكبه أحد المنتسبين إليه من جريمة وبما أن الكثير منهم قد لا يعرفون بشكل مباشر الجاني، وبما أن المجتمع قد تطور وتطورت معه أشغال الناس ووظائفهم ومصادر رزقهم، فإن العمل لا بد أن يكون باتجاه إجلاء أفراد ذات العائلة التي يرتكب أحد أفرادها جريمة من تلك الجرائم التي تستوجب الجلوة.

بمعنى أن يتم إجلاء الأفراد الذكور، الذين ينتسبون إلى ذات الأب مع الجاني فقط، أو الجاني وأبناؤه فقط، مع عدم شمول الإناث المتزوجات بالجلوة، وأن لا يطول أمد الجلوة زمنا طويلا، وذلك حتى لا تخرج «الجلوة» عن هدفها والغاية التي وجدت من أجلها، وهو ما ينسجم أيضا مع قانون منع الجرائم، الذي خفض الجلوة من الجد الثالث إلى أفراد العائلة الواحدة أو الجاني وأولاده. وهذا يتطلب في اعتقادي العمل على الإسراع في إجراءات التقاضي في المحاكم، في مثل هذه الجرائم بما يضمن عودة العائلة «النازحة» إلى منطقتها وأعمالها بسرعة، ذلك ان العرف العشائري وبحسب وثيقة 1987 أخلت مسؤولية العائلة من وزر ما ارتكبه أحد أبنائها من جرائم بعد نطق حكم القضاء في القضية.

العادات والتقاليد العشائرية في مثل هذه القضايا، تستدعي مراجعة، باتجاه ترشيقها والتخفيف منها بحيث لا تشكل عبئا على عائلة الجاني وبحيث لا تتسبب في انبثاق أزمات جديدة لعائلات لا علاقة لها بما ارتكبه الجاني من جريمة.

وهذه دعوة مفتوحة لشيوخ العشائر في المملكة إلى التداعي للتوافق على وثيقة جديدة لتطوير وثيقة عام 1987 باتجاه مزيد من التخفيف من الأعباء وباتجاه أن تكون ملزمة للجميع وبما يساهم في حفظ الأمن وحقن الدماء مع عدم الإضرار بمصالح الغير ومستقبل الأبناء والأرزاق والممتلكات، فالدولة تطورت والمجتمعات أيضا ، وهو ما يحتم علينا أن نطور من عاداتنا أيضا.ــ الراي


Advertisement