Advertisement
إن الهدف الحقيقي للصحافة هو إطلاع الجمهور على أفضل نسخة من الحقيقة – كارل بيرنشتاين، من الصحفيين الذين أطاحوا بنكسون.
استوقفني مقال في الأسبوع الماضي للكاتب المبدع والسياسي المخضرم محمد داودية، أشار فيه إلى انحياز الساسة الكبار للصحافة الورقية وتفاعلهم معها، وهو يرى استمرارا وأهمية لدور الصحافة الورقية في إطار الحرب على الإرهاب التي هي في أساسها حرب ثقافية.
في بداية حياتي المهنية شكلت عبارة واحدة هاجسا دائما بالنسبة لي، كانت أول جملة في كتاب عن إدارة الصحف، العبارة هي أن الصحف ديناصورات ولكنها لن تنقرض، ولكن الكثيرين شككوا في هذه العبارة حتى أن البعض حدد تاريخا بعينه لصدور آخر صحيفة ورقية.
في التسعينيات من القرن الماضي كانت معادلة نجاح أي صحيفة هي تحرير جيد فانتشار؛ والمكافأة هي عقود إعلانية، ولكن مع بدايات الألفية الجديدة وانتشار الانترنت بدأت إيرادات الصحف بالانخفاض تدريجيا ثم بشكل سريع ملحوظ، ثم مع بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة بدأت مشاكل الصحف تطفو على السطح وأصبحت هي نفسها مادة صحفية دسمة، ثم أصبحت الكتابة على الحائط – في مواقع التواصل الاجتماعي – توازي في أهميتها الكتابة في الصحف.
إزاء هذه الأوضاع الصعبة بدأت الصحافة بالإضافة لأسباب أخرى بتقديم محتوى صحفي أرخص نتيجة فقدان بعض الصحفيين المبدعين وظائفهم وبدأت سياسات تحريرية متقشفة فأثرت على المحتوى حتى أن بعض الصحف انجرت إلى محاولة منافسة المحتوى في الشبكة العنكبوتية.
ولكن بمرور الوقت بدأ الجمهور بملاحظة أن الصحافة الاجتماعية لا قيمة حقيقية لها، فمحتواها ضعيف، قائم على الإشاعة والسطحية ويفتقد لأي نوع من المصداقية، وانتبه الناس إلى ضرورة وجود إعلام يتحمل مسؤولياته.
فبزغ فجر جديد للصحافة وفرصة للدخول إلى عصر ذهبي جديد قائم على لبنة أساسية ألا وهي محتوى مميز أساسه المصداقية والاحترافية والجرأة، دور يتعدى المجاملة والعلاقات العامة وتجميع المعلومات من الانترنت أو نشر أخبار وفيديوهات سطحية.
ما أقوله ليس من نسج الخيال، ففي هذا العام أعلنت صحيفة الغارديان عن أربعمائة ألف مشترك لها وتجاوزت إيرادات الاشتراكات لأول مرة في تاريخها إيرادات الإعلانات، أما صحيفة الفاينانشال تايمز وصل عدد مشتركيها إلى ثمانمائة ألف مشترك موزعين بين نسختيها الورقية والإلكترونية، وصحيفة نيويورك تايمز صرحت بأنها تشهد نموا غير مسبوق في مشتركيها.
الرسالة بسيطة جدا، القراء على استعداد أن يدفعوا مقابل الجودة، فعلى الصحف أن تعمل مرة أخرى على استعادة ثقة جمهورها، هذه الثقة ستترجم على شكل إيرادات ستدفع مقابل هذا المحتوى الموثوق القوي.
فصحافة الغد هي صحافة عالية الجودة جديرة الثقة قوامها الاشتراك؛ ولكن حتما سيعود لها الإعلان مرة أخرى.
وهكذا برهنت الصحافة الورقية أنها ليست ديناصورات وإنما هي طائر الفينيق الذي يخرج من تحت الرماد مرة أخرى. ــ الدستور