Advertisement
* إعداد عبد الحميد الهمشري - الباحث بالشأن الفلسطيني والمحامي علي أبوحبله

لا ريب أن الفلسطينيين هم أكثر شعوب الأرض تأثراً وتضرراً من سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهوجاء ، فهم المستهدفون منه أولاً وأخيراً، والمقصودون بسياسته الرعناء هذه التي رسمها ووضع خطوطها نتنياهو رئيس حكومة العدو الصهيوني ، كون مراميه تسعى لتصفية القضية الفلسطينية لصالح الأحلام اليهودية والطموحات الصهيونية، فهو يسعى لشطب قضية القدس وملف اللاجئين من المفاوضات، وتفكيك المؤسسات المعنية بهذين الملفين، بعد تجفيف منابع تمويلهما والدعم العربي والإسلامي والدولي لهما وشطب التشريع الذي وجدا لأجله، لعدم الحاجة إليهما لانتفاء المبرر وانتهاء السبب الذي قام على أساسه كل منهما، فهو يرغب أن يوطن جزءاً من اللاجئين الفلسطينيين بأماكن تواجدهم، ويوجد لمن بقي منهم دولةً إما في عمق شبه جزيرة سيناء وفق تواتر الأنباء أو الأردن وفق الحلم الصهيوني لتكون لهم الوطن البديل والمأوى، يلجأ إليه من شاء منهم والرافض لذلك يوطن حيث يوجد.
فهذه الإدارة الأمريكية هي الأكثر سوءاً بالنسبة للقضية الفلسطينية ، صحيح أن الإدارات السابقة كانت سيئة ومنحازة إلى الكيان الصهيوني لكنها لم تكن أبداً بجرأة رئيس هذه الإدارة الذي تطاول فيها على الحقوق والثوابت والمقدسات الفلسطينية واهماً أنه بغطرسته وكبريائه وعنصريته وجهله السياسي كونه سيد البيت الأبيض قادر على تغيير إعادة كتابة التاريخ ورسم الجغرافيا وفق أهوائه ومراميه ، ومن الممكن أن من يليه يكون أكثر منه سوءاً وعليه فإن على الشعب الفلسطيني وقيادته وفصائله ونخبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، أن يبنوا استراتيجيتهم المستقبلية على أساس التمسك بالثوابت الفلسطينية وعدم الخضوع أو التنازل لضغوطات وإرادة الأعداء.
من الممكن بل من المؤكد في حال الثبات الفلسطيني وعدم الانحناء في وجه العاصفة خضوع الإدارة الأمريكية وتراجعها عن سياستها العقيمة هذه ، وهذا لا يكون إلا في حال قرر الشعب الفلسطيني الصمود وأصر على مواقفه وتحلى بالصبر والثبات، فقد سبق وأن عاش ظروفاً قاسيةٌ ومر بمحن شديدةٌ ومؤامرات محبوكة بإحكام وحروب ضروس، فما ضعف ولا استكان، ولا استسلم ولا هان وظل ممسكاً بزمام أمور قضيته .
فالثبات والصمود الفلسططيني في وجه هذه السياسة العدائية، فيه إفشال للمخططات الأمريكية وإنهاء الأحلام الصهيونية، وهذا يلزمه أدواتٌ حقيقية وأسس نجاح ،أولاها وحدة الصف الفلسطيني وفق رؤية وطنية جامعة، واستراتيجية نضالية مشتركة، لأنه بغير ذلك فإن الإدارة الأمريكية ومعها الحكومة الصهيونية ستستغل الفرقة والضعف في اللحمة الفلسطينية، والانقسام والاختلاف، لفرض شروطها التي تريد، وستمرر خططها التي أعدت، وسيخضع لها الكثير من العرب والمسلمين.
وعليه فإن المرحلة جد خطيرة تتطلب من الفلسطينيين أن يعضوا على النواجذ في سبيل إفشال المؤامرة الصهيو – أمريكية وأن ينشدوا الغد المشرق بكرامةٍ ، لأن التاريخ لا يرحم وسيخط بأحرف من نار ونور ويحفظ على صفحاته صور الثابتين وسير الصامدين، وسيبقي على الهامش الخاضعين والمتقاعسين .
فالفلسطينيون هم الأساس في إفشال مخططات الإدارة الأمريكية، وهم الذين يملكون مفاتيح النصر على نهج ترامب المتصهين وغيره ممن يقفون في صف المعتدي ، والشعوب العربية والإسلامية السند لهم فهم أصحاب القضية والمعني الأول بالمسألة، فإن أبدوا التماسك والاتفاق بدل التشرذم والاختلاف ، واتحدت صفوفهم وتوحدت كلمتهم، فإن الكل سيكون العون والسند لهم ، وسيقفون إلى جانبهم حتى أنهم وبكل تأكيد سيناصرونهم في كل محفل دولي وسيحملون السلاح إلى جانبهم ، شريطة ان لا يفرطوا بحقوقهم لأنهم إن فعلوا ذلك هانوا وخسروا فلا يلام أحد بعدهم إن فرط أو تهاون، أو نسق أو تعاون، أو طبع واستسلم.
فالخطة الأمريكية الصهيونية لتصفية القضية الفلسطينية تسير ضمن خطوط عريضة وواضحة للملأ وعلى رؤوس الأشهاد وتتمثل في الآتي :
أولا ً : ممارسة الضغوط على الفلسطينيين للدخول في مفاوضات مع الصهاينة تحت سقف منخفض أو خنق الوجود الفلسطيني في فلسطين المحتلة أمنياً وحصاراً ومعاشياً ونشر الفوضى والغوغائية في الاستيطان في الضفة الغربية وعاصمتها القدس من خلال مد الحبل على غاربه للمستوطنين الذين هم أساساً من مرتبات الجيش الصهيوني.
ثانياً : وقف الدعم الأمريكي عن السلطة الفلسسطينية أو الوكالات التي تقف إلى جانب الصف الفلسطيني وحتى تهديد الدول التي تؤازر الفلسطينيين بوقف الولايات المتحدة دعمها لها أو إثارة الفوضى الأمنية في بلدانها.
ثالثاً : قبول السلطة بالرؤية الأمريكية الصهيونية لحل القضية بعد استبعاد ملفات الخلاف الرئيسة والتي تتعلق بالقدس والمقدسات واللاجئين والحدود والمستوطنات .
رابعاً : نزع سلاح المقاومة .
خامساً : تحييد العمق العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية.
سادساً : دفع الدول العربية والإسلامية للتطبيع مع العدو الصهيوني .
سابعاً : وهو بيت القصيد القبول بالوطن البديل سواء في سيناء أو الأردن العربي الذي يقف إلى جانب الفلسطينيين في وجه العاصفة أو اي مكان آخر.
فما يصدر عن الإدارة الأمريكية والكونغرس الأمريكي والرئاسة الأمريكية لا يبشر بخير بل شر مستطير ما كان له أن يكون لولا التساوق مع تصورات وإرادة كل إدارة أمريكية تأتي لاتقاء شرورها وغض الطرف عما تمارسه من تجاوزات تنتقص من سيادة كل قطر عربي وإسلامي والعبث بأمنه واستقراره.
ففلسطين كما معلوم للقاصي والداني تشكل حدودها مع الأقطار العربية مصر والسودان " وحدة وادي النيل " ولبنان وسوريا والاردن وامتدادها العراق والجزيرة العربية والمغرب العربي الدرع الواقي للمحيط العربي الذي يتوجب احتضانه والتمسك به كونها تشكل البعد الأمني لاستقرار وأمان كل ما هو محيط بها وملاصق لمحيطها .
وحتى يتم الدفع بالخطر الداهم على فلسطين وشعبها والأمة قاطبة جراء هذا العبث الصهيو أمريكي فلا بد من الوقوف في وجهها عبر معابر عدة أهمها :
1 - تمتين البيت الداخلي الفلسطيني وفق استراتيجية فلسطينية تنحّي الخلافات في الرؤى جانبًا والتعامل مع المخاطر المستجدة والمستقبلية بجدية، والأخذ بما هو مشترك بين الفصائل والقوى لا سيما المقاومة الشعبية الفلسطينية بكل ألوانها " سلمية إعلامية تظاهرات واحتجاجات ومسلحة " بنهج مدروس جيداً وبمردود إيجابي على النضال الفلسطيني ودعم هذه المقاومة وتوحيد عملها في إطار تنسيقي بين مختلف الفصائل ومؤسسات المجتمع الفلسطيني المدني والرسمي.
2 - الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية الممستقلة دون الإعلان عن حدودها وعاصمتها القدس كل القدس العاصمة التاريخية والأبدية للشعب العربي الفلسطيني.
3 - الإعلان عن انتهاء لعبة المفاوضات ووأد اتفاق أوسلو الذي لم يعد موجوداً على أرض الواقع " منذ اغتيال رابين وما تبعه من محاولات شارون استفزاز الفلسطينيين في المسجد الأقصى فجر الانتفاضة الثانية في العام 2000 تبعها اجتياح صهيوني لمناطق السلطة الفلسطينية " وطرح جدول زمني لانسحاب القوات الصهيو أمريكية من كل الأراضي التي جرى احتلالها في عدوان الخامس من يونيو 1967 .
4 - إعادة طرح القضية الفلسطينية كأولوية قصوى على جدول أعمال كل الدول العربية والإسلامية والصديقة ووقف كل الاتصالات السرية والعلنية مع العدو .
5 - رفع قضية أمام محكمة الجنايات والعدل وكل المحاكم الدولية التي ترعى حقوق الإنسان والشعوب ضد الإدارات الأمريكية المتعاقبة وتحميلها مسؤولية غض الطرف عن تجاوزات حقوق الإنسان الفلسطيني في فلسطين والعربي الذي يتعرض دوما لانتهاكات أجوائه صهيونياً وتعريض حياة المدنيين للخطر جراء اعتداءاتها المتواصلة تحت حجج واهية لا تمت للواقع بصلة وتمادي العدو الصهيوني في ممارساته القمعية والاحتلالية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
6 - إعادة النظر في النهج السياسي الذي جرى السير عليه بعد الخروج من بيروت بعد أن تم زيف الإدعاءات التي روج لها البعض بأن الحل بيد أمريكا وهي من الممكن أن تمنح الفلسطينيين حقهم في تقرير مصيرهم .
7 – التمسك وبشدة بخيار رفض التعامل مع أمريكا كراعية "للسلام" كخيار استراتيجي بعد أن تبين انحيازها المطلق للعدو الصهيوني وأنها العدو الأول للشعب الفلسطيني الذي يتطلع للاستقلال والحق بإقامة دولته المستقلة أسوة بكل شعوب الأرض. ووقف التعامل ومقابلة أو استقبال أي مسؤول أمريكي قبل قيام ترامب بسحب قراره المتعلق بالقدس وبشرط عدم التعرض للثوابت الفلسطينية المتعلقة بحق العودة ورفض الاستيطان والاعتداء على المقدسات.
8- إقامة تحالفات جديدة مع قوى عالمية مؤثرة تكون عوناً للفلسطينيين لمواجهة الصلف الأمريكي المنحاز لطرف دون آخر لصالح العدو الصهيوني دولياً وإقليمياً وفلسطينياً.
9 - تعزيز الاحتضان الشعبي العربي والإسلامي والدولي للقضية الفلسطينية من خلال إعادة الخطاب مع كل مؤسسات المجتمعات الرسمية منها والشعبية ومساندة نهج الرافضين للتطبيع مع العدو الصهيوني وإحياء قنوات المقاطعة العربية والتشديد في تنفيذها. والتوجه لجميع المنظمات الإقليمية والدولية ، مثل : منظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الإفريقي وحركة عدم الانحياز ، والاتحاد البرلماني الدولي ، ومنظمة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا …..إلخ – إلى عقد اجتماعات طارئة لإدانة موقف أمريكا ونصرة الحق الفلسطيني.
10 - إقامة قنوات اتصال مع مختلف شعوب الأرض والعمل على امتلاك قنوات إعلامية موجهة من خلال رجال اجتماع وعلماء نفس فلسطينيين وعرب ومسلمين وأصدقاء في الدول المؤثرة إعلامياً لإعادة الخطاب الإعلامي إلى الوجهة الصحيحة وفضح الأكاذيب الصهيونية من خلال ما يتحدثون ويمارسون لإعادة بناء رأي عالمي مخالف لمساخر الكيان الصهيوني الذي يتخذ من المذبحة وكأن الفلسطينيين هم من قاموا بها وليس أن الفلسطينيين كما هو شأن كل العرب والمسلمين يرعون كل طالب نجاة وأن المبحة طالت مختلف الشعوب الأروبية التي أزهقت فيها أأرواح الملايين .
11 - تقديم وثيقة معدة من قبل مستشارين قانونيين واختصاصيين لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة تفضح مواقف أمريكا الداعمة للعدوان الصهيوني ، واحتلال الأراضي العربية منذ عام 1948 حتى الآن وخروجها على القانون الدولي والشرعية الدولية .. والعمل على تشكيل “لوبي” عربي إسلامي داخل الولايات المتحدة وتنظيم اتصالات مع عدد من المفكرين ومراكز الأبحاث ورجال الإعلام في أمريكا والعالم أجمع لشرح إبعاد وعواقب القرار الكارثي لترامب .
12 - دعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة - تحت لافتة الاتحاد من أجل السلام - لإصدار قرار بإدانة الموقف الأمريكي وإلغاء قرار ترامب بشأن القدس وطرح موضوع فلسطين لتكون دولة لها كامل العضوية في المنظمة الدولية تساهم في بناء صرح السلم العالمي والإنساني الحضاري وعدم التراخي في المطالبة بتنفيذ ما يقرر لصالح فلسطين.
13 - تنظيم وقفات احتجاجية سلمية بصورة دورية ومنتظمة للمناصرين للقضية الفلسطينية في أمريكا ودعاة السلام هناك والمناهضة للاحتلال الصهيوني في مختلف مراكز الولايات والمدن الرئيسة في الولايات المتحدة الأمريكية لتكون اليد الضاغطة على الرئاسة الأمريكية ومركز صنع القرار فيها للتراجع عن قرار الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان العبري .
14 - الدعوة إلى الاتفاق مع رعاة جدد لعملية السلام في فلسطين إلى جانب الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا بعد افتضاح الدور الأمركي المنحاز إلى الاحتلال.


* مركز العرب للشؤون ألاستراتيجيه ورسم السياسات