Advertisement
سيف الله حسين الرواشدة :
قيل أنّ هناك في مكانٍ ما، و لظرفٍ ما، يعيش مجموعة من العميان ولدوا عميانًا لآباءٍ عميان و كذلك أجدادهم. و قيل أنّ جدود جدودهم أصيبوا بهذا العمى لعنةً من السّماء جزاء انحرافهم عن تعاليمها، فحُرموا من البصر حاسةً و معنىً فليسَ للعيون أو البصر مكان في لغتهم أو عالمهم، فلا البيوت لها أيّ ترتيبٍ عمراني أو حتّى شبابيك، و لا الزّمان عندهم ليلٌ و نهار بل دافئ و بارد.
خلف و زعل شابّان من هؤلاء العميان، و ككل العميان يقفون جميعًا لمّا يكون الزّمان باردًا ينتظرون غودو، و هناك كان خلف يفكّر في نوع الواسطة التي ستحمله إلى عملٍ مرموق و يحدّث زعل عن كفر المرأة إذا وضعت العطر، أمّا زعل فيحدّث خلف عن فساد حكماء العميان و السّرقات التي تحدث هنا و هناك، و يفكّر في سرّه بنتيجة مباراة ما لرياضةٍ ما اخترعها العميان، يردّ عليه زعل بمدى لذّة صحن المنسف البارحة، فيستجيب له خلف بوصف ملمس بنطاله الجديد.
خلف و زعل يتحدثان بأصواتٍ مرتفعة بينهما قدم أو أكثر بقليل و كلاهما يُعطي الآخر ظهره، و يرفع صوته لان صوت قرينه يبدو بعيدًا و مثلهما بقيّة العميان، تكثر بينهم الحوارات مرتفعة الصّوت و غير المترابطة، و كلّهم ينتظرون غودو.
و لا أحد يعرف من هو غودو تحديدًا و لا إذا كان قد واعدهم هنا تحديدًا، و لكنّهم كما كانوا مذ ولدوا ينتظرون غودو. غودو الذي سيوظّف الجميع و يستجيب لشكوى زعل من الفساد، غودو الذي سيمنع العطر و يعيد للرياضة رونقها المتخيّل، و يعيد للمنسف اعتباره و للبناطيل أيضاً، غودو سيفعل كل شيء لكل أحد، غودو الذي لا يتحدّث عنه أحد و ينتظره الجميع.
و قيل أيضًا أنّ حدثًا اعتياديًا جدًا قد حصل، فمن المتوقع أن تضل الطّريق و أنت تتنزه في مكان ما، و أن يحملك الضياع من مكان ما لمكان ما، فيصل أحدهم إلى بلد العميان فيستغرب حالهم ويسألهم عن أمرهم،
وأن يحاول مساعدتهم فأيّ إنسان سيساعد أيّ عاجز. ينصح الغريب خلف أن يجدّ في درسه و يتقن المهارات اللازمة للعمل، فيتهمه خلف بالتّخطيط لضرب مؤسسة العشيرة العريقة التي على أعمدتها بُنيت بلد العميان. فيذهب الغريب إلى زعل يسأله : لماذا يسرق الحكماء؟! و لماذا هم دون غيرهم تختارونهم حكماء؟! فيرتاب به زعل الجنون، مشككًا أن ذاك العضو الغريب في وجه الغريب الذي يسمّيه العينين هما سبب مرضه و شطحاته التي يسمّيها بصرًا. يجتمع العميان بالغريب محيطين و متهمين إياه بالجنون و يحكمون عليه بالكفر بغودو، و أنّه يحاول زعزعة أمنهم واستقرارهم الناتج بإيمانهم بغودو و وعوده بإصلاح كل شيء وحده حال وصوله. و عقوبة الكفر بغودو هي الموت يا سادة.
تراجع الغريب عن نصائحه و عينيه وبصره وأعلن توبته و أنّه مثلهم سينتظر غودو في كل زمن بارد و ككل يوم انتظر خلف و زعل و غودو عودة غودو، الذي كان ينتظر غودو وهو يتفحّص حذاءه و يسبّ سوء الحال و غدر الزّمان، و يحدّث العميان عن العبث في عدم انتظار غودو.
وختام الحكاية كما قيل يا سادة أنّ وسط عبث العميان كل غودو سيأتي سيقف معهم عابثًا ينتظر غودو.