شريط الأخبار

من "موعود بالعذاب" حتى "وابتدأ المشوار": جعفر حسان يغير لغة الدولة!

من موعود بالعذاب حتى وابتدأ المشوار: جعفر حسان يغير لغة الدولة!
كرمالكم :  

عماد داود

أكتب هذه الكلمات وأنا أستمع إلى صدى عبد الحليم: "موعود معايا بالعذاب..."، وكأني أجد في هذه الأغنية مرآة لحالة وطنية ظلت لعقود حبيسة مانترا الأعذار: "غرفة الإنعاش"، "عنق الزجاجة"، الظروف الاستثنائية"، "الوضع الإقليمي"...الخ  وغيرها من المفردات التي تحولت من تشخيص مرحلي إلى هوية دائمة، ومن وصف واقع إلى قدر محتوم

ثم جاءت اللحظة الفاصلة.

لم تكن مقابلة الدكتور جعفر حسان التلفزيونية الأخيرة حدثاً إعلامياً فحسب؛ لكنها كانت جراحة في الوعي السياسي، ومشهد أنثروبولوجي شهدنا فيه تحول دولة من حالة وجودية إلى أخرى!

 صوته الهادئ كان أكثر قطعية من أي صراخ، وحديثه المقتصد كان أبلغ من أي خطبة. وهنا، وللمرة الأولى منذ جيل، تتخلى الدولة عن "سردية المرض" لتتبنى "سردية الصحة البانية"!

الرجل القادم من مطبخ السيادة – حيث تُختبر القرارات بمعيار العقد لا الخبر – قام بتمرد صامت على "ديكتاتورية الظرف"!

 وهو حين أعلن "عام ٢٠٢٦ هو عام البناء"، لم يكن يعد، بل كان يعلن نهاية زمن الأعذار! والفارق جوهري واضح وبين: الوعد يعترف بالقصور؛ أما الإعلان فهو اكتمال الاستعداد، وبذلك -وبكل بساطة- لقد نقلنا من "فقه الضرورة: إلى "فقه الإرادة"!

وها قد ابتدأ المشوار!...

المشاريع هنا ليست مشاريع. هي بيان وجود!

العشرة مليارات ليست  مجردمبالغ، بل إعلان سيادة مالي!

سكة الحديد ليست وسيلة نقل، بل إعادة تعريف للجغرافيا السياسية!

الناقل الوطني ليس شركة، بل جهاز مناعة لوجستي في زمن الأوبئة الجيوسياسية!

و"عمرة" ليست مدينة، بل إجابة فلسفية على سؤال الازدحام الحضري: كيف نبني ذاكرة جديدة دون أن نمحو الذاكرة القديمة؟!

وبالتالي: هذا ليس اقتصاد إدارة؛ بل اقتصاد تأسيس! وانتقال نوعي من الإنفاق على أعراض المرض إلى الاستثمار في جينات الصحة الوطنية!

لكن، وفي القلب من هذا التحول، كان هناك "يا خوفي" التي لها ما يبررها:

!""واه يا خوفي... من آخر المشوار... جنة ولا نار

ولكن أيضا، جعفر حسان يعرف هذا الخوف؛ لذلك لم يعد بجنة، بل وعد بمشوار! لأن الجنة قد تخيب، لكن المشوار يجب أن يبدأ. وها هو قد بدأ فعلا!

وأيضا أرى أن عبقرية المقابلة الصامتة تجلت في كامل أوجها:

في السياسة: لم يحاول القفز على المؤسسات، بل فهم أن الإصلاح في الدول المركبة يحتاج إلى صبر النهر لا عاصفة صحراء.

وفي الخطاب: لم يرفع سقف التوقعات، بل رفع سقف المسؤولية؛ مدركاً أن خيبة الأمل لا تأتي من الفشل بل من الوعد الكاذب بالمعجزة.

وفي التوقيت: جاءت الإطلالة عشية إطلاق المرحلة الثانية من التحديث الاقتصادي، كرسالة: "نتحدث لأننا بدأنا ننجز".

وكان أبلغ ما في الخطاب هو ما لم يقله:

لم يقل "الأوضاع صعبة" – قال "الاقتصاد متين".

لم يقل "انتظرونا" – قال "تاريخ التسليم ٢٠٢٦".

لم يقل "سنبني" – قال "بدأنا البناء".

وهذا هو الانزياح من ثقافة العذر إلى ثقافة التحديد!

الأردن كان "في سكة زمان راجعين... في نفس المكان ضايعين"، لكن اليوم، يقطع رئيس الوزراء هذه السكة القديمة بخطوات المشاريع العملاقة.

ما جرى -برأيي- كان جراحة لغوية جذرية:

استئصال قاموس الأعذار المزمن،  وتركيب لغة المسؤولية التاريخية، والرهان الآن ليس على حكومة، بل على نموذج دولة:

نموذج ينتقل من كونه دولة "على الرغم من"

إلى دولة "بسبب".

ومن دولة "الظروف" إلى دولة "الإرادة"!

والأغنية تعود لتهمس:

:"وامانه يا دنيا أمانه... تداوينا من جرح هوانا"

والحكومة لا تطلب معجزة، بل تطلب أمانة واحدة: أن يسمح لها بأن "تبتدي المشوار" بعيداً عن تشظي القرار وتضارب الإشارات؛ فالتجارب تُعلِّمنا أن غياب انسجام المؤسسات يحوّل القائد إلى مدير توازنات، والمشروع الوطني إلى أجزاء متناثرة. الدول الذكية لا تلغي التعدد، بل تضبط إيقاعه حتى تتحرك كجسد واحد في اتجاه واحد، لأن الفرق بين الفشل والنجاح ليس في حجم الموارد، بل في وحدة الإرادة.

لنسجل معا ولنتذكر، أنه في بداية عام 2026، وقف رجل هادئ أمام شعبه،  فحوّل الصعوبات إلى مواعيد، والأعذار إلى تواريخ استحقاق، والحدود إلى جسور.

لم يصرخ.

لم يتوعد.

لم يرفع سقف التوقعات.

فقط أعلن أن زمن الأعذار قد انتهى.

وأن زمن البناء قد بدأ.

والسؤال الملح الآن:

هل نحن جاهزون لأن نكون شعب زمن البناء؟

الإجابة -بالطبع- ليست عند جعفر حسان.

الإجابة عندنا.

لأن الدول لا تبنيها الحكومات وحدها.

تبنيها الإرادة المشتركة بين من يعلن البداية، ومن يختار أن يكون جزءاً منها.

والمشوار... قد ابتدأ.

والبناء... قد بدأ..

والأردن... يولد من جديد.

مواضيع قد تهمك