شريط الأخبار

الحرب على إيران .. هل تكون 2003 "بروفة"؟

الحرب على إيران .. هل تكون 2003 بروفة؟
كرمالكم :   محمود الخطاطبة
في مساء شتوي من شهر كانون الثاني 1991، كانت طائرات التحالف تعبر سماء الأناضول مُحملة بالحمم إلى العراق، لم تكن القواعد التركية مُجرد مُدرجات، بل إعلان تموضع.. حينها، اختارت أنقرة أن تكون في قلب المنظومة الغربية لا على هامشها.

يومها جلس الرئيس الأميركي جورج بوش الأب في المكتب البيضاوي، يقود تحالفًا واسعًا لتحرير الكويت، بينما فتحت تركيا أجواءها وقواعدها وفي مُقدمتها قاعدة إنجرليك، لتؤكد أنها حليف أطلسي لا يتردد، لكن حينها لم يكن شبح التفكُك العراقي حاضرًا بالحدة ذاتها، أي أن المسألة الكُردية كانت أمنًا داخليًا تركيًا، لا مُعادلة إقليمية مفتوحة.

بعد ثلاثة عشر عامًا فقط، الصورة تبدلت وقبلها بعام، أي العام 2002، رفض البرلمان التركي، بالأغلبية، مُذكرة للسماح للقوات الأميركية بفتح جبهة شمالية ضد بغداد.. وعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي آنذاك، جورج بوش الابن، كان مُصممًا على الغزو، غير أن أنقرة تراجعت خطوة.

ظاهريًا، تزامن القرار مع صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، إثر انهيار اقتصادي.. لكن من يقرأ الوثائق الأمنية التركية، يُدرك أن التحول لم يكن أيديولوجيًا، بل جيوسياسيًا بامتياز، حينها لم يكن السؤال في لقاءات السياسيين والغُرف المُغلقة في أنقرة: «هل ندعم واشنطن، بل ماذا لو انهار العراق؟».

منذ ثمانينيات القرن الماضي، ومع تصاعد تمرد حزب العُمال الكردستاني، ترسخ في العقل الأمني التركي تصور صارم، وهو أن أي كيان كُردي مُستقل جنوب الحدود، سيحول الصراع من ملف تمرد داخلي إلى قضية حدودية دولية، تتشابك فيها الشرعية القومية بالسلاح العابر للحدود، قد لا يعلم البعض أن الحديث باللغة الكُردية في تركيا كان جناية، بل إن في مطالب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كان السماح بها شرطًا- لاحقًا تغير كُل شيء.

لكن، وعندما أفرز غزو 2003 واقعًا جديدًا في شمال العراق، بدا أن المخاوف لم تكن نظرية، فإقليم كُردستان العراق حصل على حُكم ذاتي مُعزز، ودستور 2005 العراقي كرس فيدراليته.. وعليه، ارتفعت نسبة مُشاركة الأكراد في المؤسسات العراقية، ونمت قوات البيشمركة، لتُصبح قوة نظامية بعتاد ثقيل نسبيًا، وفي استفتاء 2017 على الاستقلال صوت أكثر من 92 بالمائة من المُشاركين بـ»نعم».

صحيح، أن الدولة الكُردية لم تقم، لكن الإشارة وصلت إلى أنقرة بوضوح وهي أن الخط الأحمر اقترب.. واليوم ومع الحرب على إيران، يعود السؤال بوجه أكثر تعقيدًا، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب لمح في أكثر من مُناسبة إلى قنوات تواصل مع مُعارضين إيرانيين، فيما دعا السيناتور تيد كروز إلى دعم قُوى مُعارضة داخل إيران، وخلف هذه التصريحات احتمال حساس بتوظيف التعدد القومي الإيراني بما في ذلك الورقة الكُردية.

للعلم، إيران تضم ما بين 8 و10 ملايين كُردي، يتمركزون في مُحافظات: كردستان وكرمنشاه وأذربيجان الغربية، وعلى مقربة من ذلك في شمال العراق تنتشر فصائل كُردية إيرانية مُسلحة، أعادت التموضع أكثر من مرة خلال العقدين الماضيين.. بمعنى أن أي تراجع حاد في قبضة الدولة الإيرانية قد يخلق فراغًا أمنيًا مُتصلًا جُغرافيًا بحدود تركيا الشرقية، المُمتدة لأكثر من 500 كيلومتر مع إيران وحدها.

وهُنا، تستعيد أنقرة ذاكرة 2003، لكن ببيئة أشد تعقيدًا، فالعالم تغير والداخل التركي أيضًا، هُنالك مُحاولة انقلابية العام 2015، وتراجع اقتصادي حاد، بينما تطل مسألة خلافة رجب طيب أردوغان من أبواب عدة، كما أن هُناك ملفا سوريا مفتوحا منذ 2011، حيث تشكلت في الشمال بُنية حُكم ذاتي كُردية، مدعومة من واشنطن عبر قوات سورية الديمقراطية.. صحيح أن اتفاق الشهر الماضي، وتخلي أميركا رسميًا عن قسد، قد يُقرأ كهدية لتركيا.

في المخيال الإستراتيجي التركي، فكرة قوس كُردي يمتد من شمال شرق سورية، مرورًا بشمال العراق، وصولًا إلى غرب إيران، ليست مُجرد احتمال جُغرافي، بل سيناريو وجودي، لأن المسألة هُنا لا تتعلق بحدود مرسومة، بل بإعادة تعريف لمفهوم الدولة الوطنية في جوار مُباشر يتداخل فيه العرق بالجغرافيا بالسلاح.

وإذا عدنا إلى ثوابت العقيدة الأمنية التركية، نجد ثلاث ركائز لا تتبدل بتبدل الحُكومات، أولًا: منع قيام دولة كُردية مُستقلة أو شبه مُستقلة على حدودها الجنوبية والشرقية، ثانيًا: تجنب انهيار دول الجوار بما يُطلق ديناميات تفكُك عابر للحدود، ثالثًا: الحفاظ على علاقة وظيفية مع الولايات المُتحدة من دون الارتهان الكامل لها.

في العام 1990، لم يكن خطر التقسيم مطروحًا فانخرطت تركيا، في 2003 بدا الخطر واقعيًا فتحفظت، واليوم إذا شعرت أن الحرب على إيران قد تتطور من ضربات محدودة إلى تفكيك بُنيوي للدولة المركزية، فالأرجح أننا سنرى نسخة أكثر حذرًا من موقف 2003.. أما إذا اقتنعت بأن العملية ستبقى تحت سقف الردع المُتبادل، من دون إعادة رسم خرائط، فقد تكتفي بخطاب مُرتفع السقف وإدارة مصلحية هادئة خلف الستار.

المُفارقة، أن اسم الحزب في أنقرة ليس هو الثابت، ولا اسم الرئيس في واشنطن، الثابت هو العُقدة الكُردية بوصفها مُحددًا فوق حزبي، عابرًا للحُكومات، يُعيد ترتيب الأولويات كُلما لاحت في الأُفق خرائط جديدة.

المنطقة اليوم، لا تقف فقط على صفيح ساخن، إنها تقف على خطوط صدع جيوإستراتيجية، تتقاطع عند عُقدة واحدة، وهي من يملك حق إعادة تشكيل الجُغرافيا السياسية.. وأنقرة لا تسأل إن كانت مع الحرب أو ضدها، هي تسأل سؤالًا واحدًا حاسمًا: هل ستُنتج هذه الحرب خرائط لا يُمكن التراجع عنها؟، وإذا كان الجواب نعم فإن عام 2003 لن يكون ذكرى، بل سيكون «بروفة».

الغد

مواضيع قد تهمك