سامح المحاريق
الجغرافيا الإسرائيلية المسمومة والرهانات المفتوحة باستثناء فترات محدودة من تاريخهم المعتمد، لم يتمكن اليهود من السيطرة المستمرة على مدن الساحل الفلسطيني، حتى إن المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس يكتب في القرن الأول للميلاد: نحن معشر اليهود لا نسكن المدن القريبة من البحر. ولا نتوق إلى عمل في فروع التجارة والبيع والشراء، ولا نخالط الأغيار الأجانب القادمين من تلك المدن، فمدننا بعيدة عن البحر، وأراضينا التي نقوم عليها خصبة ونكرس اهتمامنا كله للزراعة.
في ذلك الوقت كانت المدن الساحلية الفلسطينية مرتبطة بشبكات تجارية واسعة، وكانت خاضعة لنفوذ يوناني وروماني جعل من الصعب قيام مركز يهودي مهيمن عليها، باستثناء محاولة بناء مركز يهودي في قيسارية.
وبعد قرون من الزمن، أصبح اليهود أكثر حضورًا في المدن التجارية الأوروبية، وشغلوا أدوارًا في وظائف تخدم الحركة التجارية والمالية، في ظل قيود قانونية واجتماعية مختلفة على امتلاك الأرض وممارسة بعض المهن، وفي ظل التحولات التي طرأت على الاقتصاد اليهودي الأوروبي.
المفارقة أن اليهود، وعند الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، استوطنوا المدن الساحلية، ومع طرح قرار التقسيم كانت المدن الساحلية الرئيسية، باستثناء عكا وغزة، ضمن المناطق المقترحة للدولة اليهودية. وبعد حرب 1948 بقيت غزة وحدها خارج حدود الدولة الإسرائيلية.
كانت هذه الجغرافيا تعبيرًا عن طبيعة مشروع تبنته الحركة الصهيونية لبناء دولة ذات اتصال بالساحل وشبكات التجارة والاقتصاد المتوسطية، وهو مشروع يتخطى، في كثير من تفاصيله، اعتبارات الدين والتاريخ اليهوديين، ولا يمكن اختزاله في استعادة جغرافيا يهودية قديمة.
المشكلة التي تواجه الفلسطينيين اليوم هي أن قطاعًا من الناخبين الإسرائيليين، وخاصة داخل التيارات الدينية والقومية، يقرأ الضفة الغربية من خلال العهد القديم وحكاياته وأساطيره، وينظر إلى الضفة الغربية على أنها ليست سوى يهوذا والسامرة، أي المجال الذي يمثل ذروة الوجود اليهودي في التاريخ القديم للمنطقة.
تتصاعد قدرة التيارات الدينية والقومية على إعادة تعريف الجغرافيا الإسرائيلية من داخل الذاكرة التوراتية. أما المشروع الصهيوني الذي بنى الدولة ومؤسساتها واقتصادها، فيواصل العمل على مستوى الدولة وعلاقاتها الدولية، بينما تترك التفاصيل على الأرض لتفاعلات التأثير الاجتماعي والسياسي داخل إسرائيل، وفي هذه الحالة للمستوطنين كلمتهم الحاسمة في المشهد.
الجغرافيا التوراتية تمثل خطرًا على المنطقة ككل، ولا تستثني مساحات حيوية من الأردن، وخاصة في منطقة جرش وما حولها، حيث تمكنت المملكة الشمالية من التواجد على فترات متقطعة ولفترات قصيرة من الزمن، إلا أن المخيلة الاستيطانية تنظر إلى هذه الأرض بوصفها جزءًا من مشروع وجودها (الإحيائي) القديم.
لا يعني ذلك بالضرورة أن تكون إسرائيل قادرة على تحقيق ذلك، فالأردن بلد متماسك ولديه قواعد اجتماعية عميقة، وبعيد جدًا عن النقطة الحرجة لتهالك الدولة الذي استثمرته اسرائيل في سوريا، ولكن ما ينبغي التفكير فيه حاليًا هو في علاقة مضطربة على الدوام مع (إسرائيل) تقوم على البقاء على الحافة بشكل مستمر.
الاستراتيجية الإسرائيلية في التوسع تقوم على فرض واقع جديد، ففي سوريا وبعد التوغل داخل مناطق جديدة، يصبح التفاوض مستقبلًا على هذه الأراضي، وليس أبدًا على الجولان، وعلى الأردن أن ينظر إلى الضفة الغربية بهذه الاستراتيجية لأن الوقوف بصلابة أمام فرض أي أمر واقع تجاه ضمها أو إعادة احتلالها يبقي الأردن بعيدًا عن المطامع الإسرائيلية.
بعد التطورات العسكرية التي تشهدها المنطقة، فإن تعرض إسرائيل عسكريًا للأردن أمر مستبعد، ليس لأن المجتمع الدولي لا يقبل ذلك، فهذه مسألة لم تعد في حسابات إسرائيل، ولكن لأن الأردن يمتلك جيشًا على كفاءة عالية في الأداء العملياتي، ولديه خزان بشري يمكن استثماره في الخطوط الخلفية، وبذلك يبقى أمام إسرائيل العمل على التوهين المستمر للأردن، وهذه استراتيجية أصيلة سواء مع وجود ما يبرر مطامع في الأردن أو من غير ذلك.
تحت حماية الجيش الإسرائيلي تمكن المستوطنون من فرض واقع جديد في الضفة الغربية وهو تعبير عن الجغرافيا التي تتملكهم وتحركهم، والتاريخ ليس سوى تعبير سائل عن الجغرافيا الصلبة.
نتنياهو وليبرمان يتطلعون اليوم لبذل قرابين جغرافية لليمين الديني والقومي؛ وليس بوسعنا إلا أن نعلن أن جغرافيتنا في المقابل غير مطروحة لأن تبذل لأي طرف أو جهة، وأنها هي الأخرى تشغل وجودنا الوطني والقومي بأكمله؛ لا جغرافيا إضافية أو بقايا عملية سلب من أجل الاشتراك في شرعنتها ولا نقص ولو شبرًا واحدًا من هذه الجغرافيا.




