شريط الأخبار

الصين حلوة

الصين حلوة
كرمالكم :  

الدكتور نضال المجالي

في فيلم مصري شهير للفنان محمد هنيدي، كان جده يقنعه بالسفر إلى الصين، مردداً عبارته الشهيرة: "الصين حلوه"، ولعل هذه العبارة البسيطة التي ارتبطت بذاكرة المشاهدين تحمل شيئاً من الحقيقة التي لا يدركها الإنسان إلا حين يخوض التجربة بنفسه.

ومن واقع تجربتي الشخصية، أجدني اليوم أردد العبارة ذاتها، ولكن هذه المرة عن قناعة وتجربة؛ فقد زرت الصين مرتين، كانت إحداهما قبل جائحة كورونا بأشهر قليلة، فيما جاءت الزيارة الثانية هذه الأيام لحضور دورة تدريبية متخصصة في النقل والسلامة والأنظمة والإجراءات المتبعة للحماية من التلوث، والتي تنظمها قاعدة فوجيان الاستعراضية لشبكة التعاون فيما بين بلدان الجنوب التابعة للأمم المتحدة وذلك في مقاطعة فوجيان.

لم تكن الزيارة مجرد رحلة عابرة أو تجربة سياحية تقليدية، بل كانت فرصة للاطلاع عن قرب على جوانب مختلفة من الحياة والعمل في الصين، ولمس مستوى الاحترافية في الأداء، والعالمية في المعايير، والدقة في الالتزام، والتميز في التنظيم. كما لفت انتباهي مستوى النظافة، والسلوك العام، والاهتمام بالتفاصيل، إلى جانب ما تتمتع به المدينة من جمال ظهر بوضوح خلال الجولات التي أتيحت لنا.

ما شاهدته جعلني أؤمن بأن الصين ليست مجرد وجهة سياحية أو دولة ذات اقتصاد ضخم، بل تجربة متكاملة تستحق أن يكتشفها الإنسان بنفسه. إنها بلد يجمع بين التطور الصناعي والتقني، والانضباط المؤسسي، والقدرة على تحويل الطموحات الكبيرة إلى واقع ملموس. وقد لا تتفق مع كل تفاصيل التجربة الصينية، لكن يصعب أن تتجاهل حجم ما تحقق فيها، أو أن تمر بها دون أن تتساءل عن سر هذا التقدم.

ومن هنا، فإن عبارة "الصين حلوه" لم تعد بالنسبة لي مجرد جملة كوميدية ارتبطت بفيلم شهير، بل أصبحت وصفاً لتجربة واقعية تستحق التأمل. وأكاد أجزم يا صديقي "أبو سيف" أن جد "محي" في الفيلم كان يقصدها فعلاً، حتى وإن جاءت على الشاشة في قالب من الكوميديا.

لكن الأهم من جمال التجربة ومتعة الزيارة هو ما تفتحانه من أبواب للتفكير في مستقبل علاقاتنا مع الصين وخصوصا بعد الزيارة الكبيرة والأخيرة لجلالة الملك عبدالله الثاني لها وما فيها من فرص.

فالصين اليوم شريك مهم في التجارة والصناعة والتكنولوجيا، كما أن تجربتها في مجالات النقل والبنية التحتية والسلامة والأنظمة البيئية تستحق الدراسة والاستفادة. ولم تعد العلاقة معها مجرد تبادل تجاري أو استيراد منتجات، بل يمكن أن تكون مساحة أوسع للتعاون، ونقل المعرفة، وتطوير القدرات، وبناء شراكات نوعية تخدم مصالحنا وتواكب التحولات العالمية.

إن الاستفادة من التجربة الصينية لا تعني بالضرورة استنساخها، وإنما تعني فهم عوامل نجاحها، وتقييم ما يناسب احتياجاتنا، والاستثمار في الفرص التي تتيحها العلاقة معها. فالعالم يتغير بسرعة، والدول التي تنجح في بناء علاقات استراتيجية متوازنة، قائمة على المصالح المشتركة والمعرفة والتطوير، هي الأقدر على مواكبة المستقبل.

لقد كانت زيارتي للصين أكثر من مجرد تجربتين للسفر؛ كانتا فرصة لتوسيع النظرة، وإعادة اكتشاف بلد تتجاوز صورته الحقيقية ما نراه في الأخبار أو نسمعه في المجالس.

وهنا يبقى السؤال الأهم: هل ننجح في تحويل أهمية علاقتنا مع الصين إلى شراكة إستراتيجية حقيقية، تتجاوز التجارة إلى المعرفة والتكنولوجيا والصناعة، وتنعكس على التنمية والاقتصاد وبناء المستقبل؟

ربما تبدأ الإجابة من رحلة، أو تجربة، أو حتى عبارة بسيطة قالها جد "محي" في فيلم سينمائي. الصين حلوة.. ولكن الأجمل أن نعرف كيف نستفيد من هذه التجربة، وكيف نبني معها علاقة تحقق لنا ما نتطلع إليه من تقدم وازدهار.

*مفوض السياحة والبيئة السابق في سلطة العقبة الاقتصادية الخاصة.

الغد