بيروت – تندرج تجربة الفنانة اللبنانية
العالمية، باسكال حرب، ضمن مسار فني مختلف عن السائد، مسار يتقدّم فيه البعد
الإنساني والاجتماعي والوطني على أي اعتبار تجاري. فهي لم تتعامل مع الفن كمنتج
للسوق، بل كفعل مسؤولية وشهادة حيّة على قضايا الإنسان، الوعى، الوطن والذاكرة
الجماعية، ما منح أعمالها خصوصية واضحة في المشهد الثقافي.
عُرفت حرب في الأوساط الثقافية
والاجتماعية بإنتاج أعمال تحمل رسائل صريحة وعميقة، لا تُنجز بغرض البيع
التجاري أو العرض التقليدي، بل تُقدَّم
غالبًا إلى مرجعيات روحية ووطنية رفيعة، ومؤسسات رسمية وإنسانية، أو تُعرض عبر
برامج تلفزيونية متخصصة بالشؤون الاجتماعية والوطنية. هكذا اكتسبت أعمالها بعدًا
توثيقيًا يتجاوز الإطار الجمالي، لتصبح جزءًا من سردية وطنية وإنسانية أوسع.
عمل فني في لحظة تاريخية
في أحدث أعمالها الوطنية–التاريخية،
قدّمت باسكال حرب لوحة شكّلت صرخة فنية عالية الرمزية، جمعت بين الأبعاد
الاجتماعية والحضارية والإنسانية والدينية، في قراءة بصرية لتاريخ لبنان عبر
العصور. لوحة تختصر وجع الوطن وعمقه الروحي وبعده التاريخي في آن، بعنوان "تجاعيد
التاريخ” وقد حظيت باهتمام إعلامي محلي وعالمي واسع، تزامنًا مع زيارة الحبر
الأعظم إلى لبنان، حيث سُلِّط الضوء عليها بوصفها تعبيرًا فنّيًا عن الذاكرة
الوطنية والبعد الروحي لتلك اللحظة المفصلية.
ويأتي هذا العمل استكمالًا لمسار
إنساني سبق أن تجلّى في مبادرة مماثلة، حين قدّمت الفنانة عملًا فنيًا إلى قداسة
البابا فرنسيس عبر وفد رسمي زار لبنان في الذكرى الأولى لانفجار مرفأ بيروت، في
خطوة حملت دلالات إنسانية ووطنية عميقة، عبّرت من خلالها عن ألم اللبنانيين، وعن
إيمانها بدور الفن كجسر بين الجرح والرجاء.
مكانة رمزية ورسالة تتجاوز الحدود
تُصنَّف باسكال حرب ضمن فئة الفنانين
ذوي القيمة الرمزية، حيث تستمد أعمالها أهميتها من سياقها، ومن القضايا التي تتناولها،
ومن الجهات التي تُقدَّم إليها، إضافة إلى التوثيق الإعلامي المرافق لها. هذا
التوثيق لا يشكّل تفصيلًا ثانويًا، بل عنصرًا أساسيًا في تثبيت مكانة العمل الفني
كجزء من مجموعة بصرية مرتبطة بأحداث تاريخية واجتماعية مفصلية في الوعي اللبناني
والعالمي.
الفن كسفارة للسلام
من خلال هذا المسار، يتجلّى دور باسكال
حرب كفنانة وسفيرة سلام، حين يتحوّل الفن من تعبير فردي إلى رسالة إنسانية جامعة،
قادرة على لمس القلوب وتجاوز الحدود واللغات والانتماءات. فالفن، في تجربتها، لغة
عالمية لا تحتاج إلى ترجمة؛ اللون والصورة يحملان الألم والرجاء والتعاطف إلى أي
إنسان، ويحوّلان العمل الفني إلى مساحة لقاء لا صراع.
هي لا تنكر الألم ولا تجمّله، بل
تقدّمه بصدق وإنسانية، من دون تحريض أو كراهية. فتحوّل اللوحة إلى شهادة تحفظ
الذاكرة الجماعية، وتمنع تكرار المآسي عبر الوعي لا الانتقام. كما تُعيد صياغة
الجرح ليصبح معنى وطاقة، وتفتح أعمالها أبواب التأمل والأسئلة الكبرى حول العدالة
والكرامة والمصالحة.
وعندما تُقدَّم أعمالها في فضاءات
إنسانية وروحية، أو تُهدى إلى مرجعيات عالمية، تتحوّل إلى جسور حوار بين الشعوب،
تحمل قضايا لبنان بلغة إنسانية يفهمها العالم. في هذا السياق، تضع الفنانة
التزامها الأخلاقي قبل أي شهرة أو اعتبار دعائي، مدركة أن الفن قد يكون أداة شفاء
بقدر ما قد يكون أداة تحريض.
بين الذاكرة والأمل
بين الفن والذاكرة، تواصل باسكال حرب تقديم تجربة قائمة على الالتزام العميق، تجعل من اللوحة مساحة شهادة، ومن الريشة أداة توثيق بصري لمرحلة لا تزال تتشكّل في الوعي اللبناني والعالمي. تجربة لا تَعِد بحلول جاهزة، لكنها تزرع بذرة أمل، وتذكّر بأن الإنسان، مهما اشتدّت الأزمات، قادر على التلاقي، وعلى تحويل الألم إلى معنى، والفن إلى فعل سلام.



