في عالم السياسة، قد تمنحك الحقيبة
الوزارية سلطة مطلقة لتغيير القوانين، وتجاوز العقبات، بل وتوقيع قرار
"معادلة شهادة" رُفضت لسنوات من قِبل اللجان المختصة، لكن في عالم الطب
الحقيقي، وتحديداً خلف أسوار "البورد الأمريكي"، تنتهي صلاحية الكرسي،
وتتلاشى الهيبة الرسمية، ليقف الجميع متساوين أمام ورقة الامتحان، حيث لا واسطة
هناك، ولا استثناءات لمعالي الوزير.
وقد شهدت الأوساط الطبية مؤخراً لغطاً
واسعاً يفيض بالمرارة حول قصة وزير صحة سابق، استثمر وجوده على رأس الهرم الوزاري
ليُمرر لنفسه اعترافاً بمعادلة شهادته الطبية، وهي الشهادة التي طالما اصطدمت بـ
"فيتو" اللجان الفنية والنقابية المتعاقبة لعدم أهليتها واستيفائها
للشروط، وبجرة قلم "مسؤولة"، تحول الرفض المزمن إلى قبول فوري، وضُربت
معايير العدالة وتكافؤ الفرص بين الأطباء الكادحين في مقتل.
المفارقة الساخرة لم تقف عند حدود
الوطن؛ فوزير الصحة الذي غادر مقعده مجبراً بعد إقالة أو تعديل، حزم حقائبه وعيونه
تتطلع نحو بلاد العم سام حيث كان، رغبةً في العودة لاستئناف مسيرته الطبية والعيش
هناك، لكن النظام الطبي في الولايات المتحدة لا يعترف بالبروتوكولات السياسية
والامتيازات الممنوحة، وبما أن الانقطاع عن الممارسة السريرية لسنوات طويلة يفرض
قانوناً تقديم امتحانات الكفاءة والبورد مجدداً لمزاولة الاختصاص، وقف
"المعالي" أمام لجان أمريكية صارمة لا تقرأ الألقاب الفاخرة، بل تقرأ
الإجابات الدقيقة.
أربع محاولات متتالية، وأربعة إخفاقات
مدوية، هكذا كانت النتيجة الصادمة التي أسقطت المعادلة المحلية التي صُنعت على
مقاس النفوذ في المكاتب المغلقة، أمام صخرة المعايير والمؤسسية الأمريكية التي تضع
"سلامة المريض" فوق أي اعتبار سياسي أو إداري، ليجد وزير الصحة السابق
نفسه عاجزاً عن انتزاع رخصة مزاولة الاختصاص في الخارج، ويُضطر للبقاء حالياً في
الأردن مرغماً، شاهداً حياً على أن "شرعية المناصب" لا تصنع "كفاءة
علمية".
تضعنا هذه الواقعة أمام حقيقة مُرة وتساؤل مشروع حول حجم التجاوزات التي تمرر في عتمة المصالح؛ فإن الرسوب المتكرر في امتحان عالمي لمن كان يوماً مؤتمناً على صحة العباد ورسم سياساتها، هو أكبر دليل على خطورة تفصيل القوانين لحساب الأشخاص، لقد أعطانا البورد الأمريكي درساً بليغاً في النزاهة مفاده: يمكنك أن تخدع نظام بلادك بمنصبك، لكنك لن تخدع علم الطب بعجزك.



