شريط الأخبار

مستقبل الوظائف

مستقبل الوظائف
كرمالكم :   د. صالح سليم الحموري
لم يعد السؤال المطروح اليوم: هل ستختفي الوظائف؟

فهذا سؤال تجاوزَه الزمن.
السؤال الحقيقي، والأكثر إلحاحًا، هو: كيف يُعاد تعريف العمل نفسه؟

ما لمسته بوضوح في "القمة العالمية للحكومات" أن العالم لا يتجه نحو بطالة شاملة كما يُروَّج أحيانًا، بل نحو تحوّل جذري في بنية الوظائف وطبيعة الأدوار، نحن لا نشهد نهاية العمل، بل نهاية شكله القديم، وبداية مرحلة يُفكَّك فيها العمل إلى مهام، وتُعاد هندسته من جديد.

هذا التحوّل لا تقوده قوة واحدة، بل تقاطُع خمسة محركات كبرى في لحظة تاريخية فارقة:
الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، التحول الأخضر، التحولات الديموغرافية، التفتت الجيو-اقتصادي، وضغوط كلفة المعيشة. هذه القوى مجتمعة لا تُلغي العمل، لكنها تعيد توزيعه، وتغيّر محتواه، وتفرض مهارات جديدة لم تكن في صدارة المشهد من قبل.

ما خرجتُ به أن الخطر الحقيقي لا يكمن في اختفاء الوظائف، بل في التمسّك بوصفٍ قديم للعمل في عالم تغيّرت فيه القواعد، من يفهم هذا التحول مبكرًا، يستعد له. ومن ينكره، قد يجد نفسه خارج اللعبة دون أن يدرك متى تغيّر كل شيء.

حتى عام 2030، تشير التوقعات إلى خلق نحو 170 مليون وظيفة جديدة، مقابل إزاحة 92 مليون وظيفة، بصافي نمو يبلغ 78 مليون وظيفة. رقم يبدو مطمئنًا… لكنه لا يُخفي الحقيقة الأهم: النمو لن يكون متاحًا للجميع بالشكل نفسه. فهناك وظائف تتسارع، وأخرى تتآكل بصمت.

الوظائف التقنية المرتبطة بالبيانات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والطاقة المتجددة، تنمو بسرعة. وفي المقابل، تتراجع الوظائف الروتينية المكتبية التي تقوم على التكرار أكثر من التفكير. لكن المفارقة أن النمو، بالحجم المطلق، لا يقتصر على التقنية؛ فالرعاية، والتعليم، والخدمات الإنسانية تتوسع بفعل شيخوخة المجتمعات وتغير احتياجاتها.

ومع ذلك، القصة الحقيقية ليست في المسميات الوظيفية، بل في المهارات.

بحلول 2030، سيتغير نحو 39% من مهارات الفرد. أي أن جزءًا كبيرًا مما نُجيده اليوم سيحتاج إلى إعادة صياغة أو استبدال. التفكير التحليلي، والرشاقة والمرونة، والقيادة، والفضول، والتعلّم المستمر، لم تعد "مهارات ناعمة”، بل أساسيات بقاء. وظهور الاستدامة كمهارة سريعة النمو يرسل رسالة واضحة: المستقبل أخضر… سواء أردنا أم لا.

الأخطر أن 59 من كل 100 عامل سيحتاجون إلى تدريب، و11 منهم قد لا يحصلون عليه. هؤلاء ليسوا أرقامًا، بل بشرًا يقفون على حافة التحول دون أدوات.
في هذا السياق، لا تدور المعركة بين الإنسان والآلة، بل حول توزيع المهام. نحن ننتقل من عالم ينجز فيه البشر أغلب العمل، إلى توازن ثلاثي: بشر، آلات، وتعاون بينهما. الوظائف لن تختفي، لكنها ستُعاد صياغتها؛ البشر يتجهون نحو القرار والمعنى والتواصل، والأنظمة نحو الأتمتة والتنبؤ، بينما يتفوق من يُحسن استخدام الأدوات لا من يحاول منافستها.

من هنا، يتقدم "نهج المهارات أولًا” كإجابة عملية. الشهادات والمسميات لم تعد كافية، بينما القدرة الفعلية هي العملة الجديدة. هذا النهج يفتح السوق، يسرّع سد الفجوات، ويعزز الشمول، لكنه ليس وصفة سحرية؛ فالتحديات الأخلاقية، والتحقق، والتحيز الخوارزمي، وحماية العامل، كلها أسئلة يجب أن تُدار بحكمة لا بحماس أعمى.

الخلاصة بسيطة وعميقة في آن لأصحاب القرار: مستقبل الوظائف هو مستقبل القدرة على التحول.

لسنا بحاجة إلى الدفاع عن وظائف الأمس، بل إلى بناء منظومات تجعل اكتساب المهارة وقياسها والاعتراف بها أمرًا سهلًا وعادلًا وسريعًا. ففي عالم يتطلب إعادة تدريب أغلبية القوى العاملة، يصبح الاستثمار الحقيقي ليس في "الوظيفة”… بل في الإنسان القادر على التغيّر دون أن يفقد كرامته.

مواضيع قد تهمك