شريط الأخبار

النفوذ الذي يعيش على الساحات

النفوذ الذي يعيش على الساحات
كرمالكم :  

رمزي الغزوي

كلما ضاقت الخريطة في وجه مشروع، بحث عن مساحة جديدة يضع فيها خسارته. هكذا تبدو السياسة الإيرانية في لحظات انحسار نفوذها؛ حين تضيق الساحة، تتسع دائرة الفوضى. من منشآت النفط السعودية إلى باب المندب، ومن الفصائل العابرة للحدود إلى ساحات العراق ولبنان، تتكرر الفكرة نفسها: إذا تعذر امتلاك القوة، يمكن امتلاك القدرة على التعطيل، وإذا تعذر الانتصار، يمكن جعل الآخرين يدفعون ثمن الخسارة.

في اليمن، منح التقدم الحوثي نحو البحر الأحمر إيران منفذا إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في حركة التجارة العالمية. وفي العراق ظهرت اتهامات بمشاركة فصائل في استهداف السعودية، بما يفتح سؤالا أخطر من هوية المنفذ: من يملك قرار الحرب باستخدام أرض الدولة ممرا لحرب غيرها؟ أما استهداف منظومة الطاقة السعودية، ومحاولات تهديد خطوط التصدير، فيكشف أن المعركة لا تستهدف منشأة بعينها، وإنما تبحث عن شريان يمتد من الأنبوب إلى السوق.

ولا تحتاج هذه السياسة إلى إغلاق مضيق هرمز أو باب المندب فعليا. يكفي أن يصبح المرور خائفا. يكفي أن ترتفع كلفة التأمين، وتتغير طرق السفن، وتتأخر البضائع، حتى تتحول مسيّرة رخيصة إلى فاتورة عالمية باهظة. وهنا تكمن قوة الحرب غير المتكافئة؛ أن كلفة الضربة قد تكون صغيرة على مطلقها، بينما يصبح اعتراضها عبئا على اقتصاد كامل.

غير أن الجغرافيا التي تمنح النفوذ يمكن أن تتحول أيضا إلى مرآة للخسارة. فسقوط نظام بشار الأسد أزال عن طهران غطاء دولة كان يوفر ممرا ومجالا للحركة. وفي لبنان، لم يستطع سلاح حزب الله أن يمنح المجتمع الحماية التي وُعد بها، بينما ظل لبنان يدفع ثمن بقائه ساحة مفتوحة. وكلما استطاعت الدولة أن تستعيد قرية، أو تحمي حدودا، أو تعيد قرار السلاح إلى مؤسساتها، انكمشت الحاجة إلى الوكيل.

وفي الداخل الإيراني، تزداد المفارقة قسوة. تضخم، تراجع في التجارة، وضغط على معيشة الناس، فيما يستمر خطاب القوة في الخارج. يصبح الجوار مضطربا كي يبدو الداخل صامدا، ويصبح التصعيد دليلا على الصمود بدلا من أن يكون سؤالا عن جدوى الطريق.

كان اتفاق بكين مع السعودية فرصة لفتح باب آخر: جوار أقل توترا، واقتصاد أكثر أمنا، وعودة إلى منطق الدولة. غير أن النفوذ الذي يعيش على الساحات يخشى السلام، لأن السلام يعيد الأسئلة إلى أصحابها.

فحين تعجز القوة عن صناعة مستقبلها، تبدأ بتوزيع فشلها على الخريطة. وقد تتسع الخريطة كثيرا، حتى لا يبقى فيها مكان تخبئ فيه الدولة سؤالها الأصعب: ماذا كسبنا؟

الدستور