هنالك سوء تقدير فادح في فهم معنى "سقف الحريات الإعلامية"، ليصبح هذا الفهم قاصرا على انتقاد الإدارات العليا في الدولة، وكأن هذا هو السقف الذي يقاس عليه، وهذا ليس سقفا حقيقيا، والإعلام إذا حصر في هذه الزاوية، فإنه يتحول إلى جدارية عبثية لا معنى لها ولا قيمة.
السقوف التي يجب أن تكون مرتفعة هي سقوف المهنية والاحترافية في العمل الإعلامي، والصحفي تحديدا، وتلك هي الحرية المفقودة فعلا في الإعلام الأردني.
لا يوجد في الأردن نقص في المنصات، ولا حتى في غياب الأصوات، على العكس، في الأردن فوضى منصات ومواقع، وازدحام في الأصوات التي اعتمدت منهجية "التسلق" عبر الصوت المرتفع، بغض النظر عن قيمة الحشو المنطوق، فيغدو المشهد ظاهريا حالة تنوع، بين إعلام رسمي، وصحف خاصة، ومواقع إلكترونية نشطة، ومنصات رقمية متسارعة، لكن خلف هذا التنوع، ثمة خلل أعمق يتعلق بكيفية عمل هذا الإعلام، وبالمساحة التي يتحرك فيها، وبالقدرة على الاستمرار داخل بيئة تزداد تعقيدا سياسيا واقتصاديا.
الإعلام الرسمي ما يزال يؤدي دورا تقليديا، يواكب الحدث أكثر مما يسبقه، ويقدم الرواية أكثر مما ينافس على تشكيلها، وفي كثير من الأحيان يبدو أقرب إلى خطاب منظم لا إلى نقاش عام مفتوح، وهذه ليست مسألة اجتهادات مهنية ولا نوايا تحريرية، بقدر ما هي نتيجة طبيعية لبنية مؤسسية لا تزال مرتبطة بإيقاع الدولة أكثر من ارتباطها بإيقاع المجتمع.
في المقابل، الإعلام الخاص يعيش مفارقة أكثر تعقيدا، فهو محكوم بسقف سياسي حساس من جهة، وبأزمة مالية حقيقية من جهة أخرى، سوق إعلاني محدود، واعتماد واضح على الإعلانات الرسمية، وتراجع في العائدات التقليدية، كلها عوامل تدفع المؤسسات الإعلامية إلى العمل في حدها الأدنى، وتضعف قدرتها على الاستثمار في محتوى جاد أو مستقل، مما يجعل الصحافة مهنة من لا مهنة له، وحرفة من لا حرفة بين يديه.
هذه المعادلة تنتج أثرا مباشرا على المهنة نفسها، فالصحفي الحقيقي، الذي يعمل تحت ضغط اقتصادي ومهني، وفي بيئة غير مستقرة، يصبح أقرب إلى موظف يبحث عن البقاء، لا إلى فاعل يصنع معرفة، ومع الوقت، تتحول العلاقة مع الجمهور إلى علاقة عابرة، حيث يفقد الخبر وزنه، وتفقد المنصة قدرتها على التأثير.
في ظل هذا الواقع، تتقدم الرقابة الذاتية كآلية خنق غير معلنة في إدارة العمل الإعلامي، ليس فقط بسبب القوانين، بل أيضا بسبب إدراك غير مكتوب لحدود الممكن، وهنا لا يعود السؤال فقط عن النصوص، بل عن المناخ العام الذي يدفع الصحفي إلى تجنب مناطق كاملة من النقاش، فيبحث عن هوامش تخدم مصالحه ويرسخها كحالة عامة، ويصبح خبر مثل جاهة يقودها مسؤول سابق، مدججة بالصور والشخوص، أهم من تحقيق صحفي حقيقي لا يقدر معظم العاملين في المواقع على إنجازه.
في المحصلة، فالمسألة ليست فقط أزمة قطاع، بل سؤال أوسع يتعلق بطبيعة المجال العام، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن التحدي لن يكون في بقاء المؤسسات الإعلامية فقط، بل في شكل النقاش العام نفسه، ومن سيقوده في السنوات القادمة.
الغد
السقوف التي يجب أن تكون مرتفعة هي سقوف المهنية والاحترافية في العمل الإعلامي، والصحفي تحديدا، وتلك هي الحرية المفقودة فعلا في الإعلام الأردني.
لا يوجد في الأردن نقص في المنصات، ولا حتى في غياب الأصوات، على العكس، في الأردن فوضى منصات ومواقع، وازدحام في الأصوات التي اعتمدت منهجية "التسلق" عبر الصوت المرتفع، بغض النظر عن قيمة الحشو المنطوق، فيغدو المشهد ظاهريا حالة تنوع، بين إعلام رسمي، وصحف خاصة، ومواقع إلكترونية نشطة، ومنصات رقمية متسارعة، لكن خلف هذا التنوع، ثمة خلل أعمق يتعلق بكيفية عمل هذا الإعلام، وبالمساحة التي يتحرك فيها، وبالقدرة على الاستمرار داخل بيئة تزداد تعقيدا سياسيا واقتصاديا.
الإعلام الرسمي ما يزال يؤدي دورا تقليديا، يواكب الحدث أكثر مما يسبقه، ويقدم الرواية أكثر مما ينافس على تشكيلها، وفي كثير من الأحيان يبدو أقرب إلى خطاب منظم لا إلى نقاش عام مفتوح، وهذه ليست مسألة اجتهادات مهنية ولا نوايا تحريرية، بقدر ما هي نتيجة طبيعية لبنية مؤسسية لا تزال مرتبطة بإيقاع الدولة أكثر من ارتباطها بإيقاع المجتمع.
في المقابل، الإعلام الخاص يعيش مفارقة أكثر تعقيدا، فهو محكوم بسقف سياسي حساس من جهة، وبأزمة مالية حقيقية من جهة أخرى، سوق إعلاني محدود، واعتماد واضح على الإعلانات الرسمية، وتراجع في العائدات التقليدية، كلها عوامل تدفع المؤسسات الإعلامية إلى العمل في حدها الأدنى، وتضعف قدرتها على الاستثمار في محتوى جاد أو مستقل، مما يجعل الصحافة مهنة من لا مهنة له، وحرفة من لا حرفة بين يديه.
هذه المعادلة تنتج أثرا مباشرا على المهنة نفسها، فالصحفي الحقيقي، الذي يعمل تحت ضغط اقتصادي ومهني، وفي بيئة غير مستقرة، يصبح أقرب إلى موظف يبحث عن البقاء، لا إلى فاعل يصنع معرفة، ومع الوقت، تتحول العلاقة مع الجمهور إلى علاقة عابرة، حيث يفقد الخبر وزنه، وتفقد المنصة قدرتها على التأثير.
في ظل هذا الواقع، تتقدم الرقابة الذاتية كآلية خنق غير معلنة في إدارة العمل الإعلامي، ليس فقط بسبب القوانين، بل أيضا بسبب إدراك غير مكتوب لحدود الممكن، وهنا لا يعود السؤال فقط عن النصوص، بل عن المناخ العام الذي يدفع الصحفي إلى تجنب مناطق كاملة من النقاش، فيبحث عن هوامش تخدم مصالحه ويرسخها كحالة عامة، ويصبح خبر مثل جاهة يقودها مسؤول سابق، مدججة بالصور والشخوص، أهم من تحقيق صحفي حقيقي لا يقدر معظم العاملين في المواقع على إنجازه.
في المحصلة، فالمسألة ليست فقط أزمة قطاع، بل سؤال أوسع يتعلق بطبيعة المجال العام، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن التحدي لن يكون في بقاء المؤسسات الإعلامية فقط، بل في شكل النقاش العام نفسه، ومن سيقوده في السنوات القادمة.
الغد




