شريط الأخبار

حين تصبح إيران مركز الحرب على الإرهاب

حين تصبح إيران مركز الحرب على الإرهاب
كرمالكم :  

د. عامر السبايلة

في الوقت الذي تدخل فيه الحرب مع إيران مرحلة التجميد المؤقت، بدأت ملامح إستراتيجية أميركية جديدة لمكافحة الإرهاب بالظهور، كاشفة عن شكل المرحلة المقبلة في السياسة الأمنية الأميركية.

هذه الإستراتيجية، المبنية على مبدأ السلام عبر القوة، لا تقوم فقط على الاستخدام المباشر للقوة العسكرية، بل على الاستباقية، وتفكيك البيئات الفكرية والاجتماعية المنتجة للتطرف، وربط الإرهاب بشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

اللافت في هذه المقاربة أن واشنطن لم تعد تنظر إلى مكافحة الإرهاب باعتبارها حربا تقليدية ضد تنظيمات محددة، بل كمعركة مفتوحة ضد منظومات كاملة من التمويل، والأيديولوجيا، والشبكات العابرة للدول. ولهذا، فإن سمة المرحلة المقبلة تبدو قائمة على التدخل السريع، والقدرة على تنفيذ عمليات مباشرة دون قيود بيروقراطية معقدة، سواء عبر حملات عسكرية قصيرة ومكثفة، أو من خلال الاغتيالات، والعمليات الخاصة، والحرب السيبرانية المستمرة.

حتى الحلفاء الأوروبيون لم يكونوا بعيدين عن الانتقادات الأميركية. فالإستراتيجية الجديدة تعتبر أن أوروبا فشلت في بناء نموذج فعال لمكافحة التطرف نتيجة هشاشة السياسات الأمنية والتعقيدات القانونية والانقسامات السياسية، ما سمح للجماعات المتطرفة باستغلال المساحات المفتوحة داخل المجتمعات الأوروبية لإعادة بناء شبكاتها الفكرية والتنظيمية. ومن هنا تدفع واشنطن نحو دور أوروبي أكثر صرامة يقوم على رفع الإنفاق الأمني وتشديد الرقابة والانخراط المباشر في المواجهة.

لكن التحول الأهم يتمثل في أن الإستراتيجية الأميركية لم تعد تفصل بين التنظيمات المسلحة والبيئات الأيديولوجية التي تنتجها. صحيح أن تنظيمي القاعدة وداعش، بما في ذلك داعش خراسان والقاعدة في جزيرة العرب، ما زالا يشكلان محورا رئيسا في العقيدة الأمنية الأميركية، إلا أن التركيز بدأ ينتقل نحو الجذور الفكرية التي ساهمت في إنتاج النسخة الحديثة من الحركات الجهادية.

في هذا السياق، يظهر تنظيم الإخوان المسلمين باعتباره جزءا من البنية الفكرية التي مهدت لتطور الأيديولوجيا الجهادية المعاصرة. ولهذا لم يعد الحديث يدور فقط حول تصنيف بعض فروع التنظيم كمنظمات إرهابية، بل حول استهداف البيئة الفكرية والثقافية التي ساهمت في إنتاج التطرف، باعتبار أن المواجهة الحقيقية لم تعد مرتبطة بالتنظيم وحده، بل بالعقيدة التي تمنحه القدرة على إعادة إنتاج نفسه. ومن هنا تتوسع أدوات المواجهة لتشمل مراقبة الشبكات العابرة للدول، وتتبع التمويل، وتفكيك العلاقات بين الإرهاب والجريمة المنظمة، واستخدام مختلف الأدوات القانونية والأمنية للوصول إلى البنى المتداخلة التي تسمح لهذه التنظيمات بالاستمرار والعمل دوليا.

ورغم أن الإستراتيجية قسمت مناطق التهديد جغرافيا، من أميركا اللاتينية إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، فإن إيران تبدو حاضرة في مختلف المسارات بوصفها العقدة المركزية التي تتقاطع عندها معظم التهديدات. فربط تجارة المخدرات بالإرهاب العالمي، وتوجيه اتهامات مباشرة لطهران بدعم الشبكات المسلحة، يجعل من إيران أكثر من مجرد ملف إقليمي؛ بل محورا تتداخل فيه ملفات الإرهاب والميليشيات والبرنامج النووي والصواريخ الباليستية وأمن الممرات البحرية.

ولهذا لم يكن من المفاجئ أن تتوسع الإستراتيجية في الحديث عن البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز والحوثيين، باعتبار أن أمن الملاحة البحرية أصبح جزءا مباشرا من معركة مكافحة الإرهاب.

وبعيدا عن الاستنتاجات الضمنية، تضع الإستراتيجية الأميركية إيران بشكل مباشر في قلب التهديد العالمي، باعتبارها أكبر داعم للإرهاب ومصدرا رئيسا لتمويل وتسليح الميليشيات، إضافة إلى اعتبارها تهديدا نوويا مستمرا. وهذا يعكس أن العمليات ضد إيران لم تعد مرتبطة بمرحلة عسكرية مؤقتة، بل أصبحت جزءا من تصور إستراتيجي طويل المدى يتجاوز الاحتواء التقليدي نحو إعادة تشكيل البيئة السياسية والأيديولوجية التي تنتج هذا التهديد أساسا.

الغد