م. عامر البشير
خيالات المراهقة… وأوطان لا تبادل الحبّ
هناك خيبات لا تأتي من الآخرين، بل من
خيالنا عنهم، وأخطر العلاقات ليست تلك التي تنتهي بالفشل، بل تلك التي لا تبدأ
أصلًا مع شخصٍ حقيقي، بل مع صورةٍ اخترعها العقل ثم صدّقها القلب.
في مراهقتي، عشتُ تجربةً لم ولن تتكرّر، فالإنسان حين يسقط مرّةً في وهمٍ كبير، يتعلّم لاحقًا أن يتحسّس الجدران قبل أن يفتح قلبه لها، في مساءات صيف بعيدة، كنت أجلس في بلكونة المنزل أراقب نافذة الشقة المقابلة، ضوءٌ خافت يظهر بعد الغروب، وستائر وردية تتحرّك رويداً رويدا مع نسمات الهواء العليل، لم أكن قد رأيت صاحبة الغرفة يومًا، لكنّني كنت مقتنعًا أنّ خلف تلك الستائر الوردية فتاةً تشبه القصص التي كنّا نقرأها سرًّا في تلك الأعمار المرتبكة.
علاقة مع الفراغ
كان المشهد يتكرّر كلّ ليلة تقريبًا:
كرسيّ ثابت، ظلّ هادئ، وصمتٌ طويل كنت أملؤه أنا بكلّ ما ينقصني من خيال.
شيئًا فشيئًا، تحوّلت النافذة إلى
علاقة، صرتُ أعود إلى البيت بيقينٍ طفولي أنّ هناك من ينتظرني فعلًا، وأنّ أحدًا
خلف تلك الستائر يراقبني كما أراقبه.
وكلّما طال الغياب، ازداد التعلّق، فالإنسان أحيانًا لا يحبّ الحقيقة، بل يحبّ المساحة التي تسمح له باختراعها، ربما لهذا لا يموت بعض الحبّ حين ينكشف كذبه، بل حين يكتشف الإنسان أنّه كان يكلّم نفسه طوال الوقت.
سقوط الوهم
ثم جاء اليوم الذي انكشفت فيه الحقيقة،
عدتُ من المدرسة مبكرًا، وكانت النافذة مفتوحة على غير عادتها، الستائر مضمومة إلى
الجانبين، وسجّادة منشورة للشمس، وكلّ شيء واضح تحت ضوء النهار.
حينها فقط اكتشفت الحقيقة كاملة: ذلك
"الخيال” الذي تعلّقت به بعض الوقت لم يكن فتاةً أصلًا، بل ظلّ لخزانة خشبية.
خزانة طويلة، يعكس ظلّها تحت الإضاءة
الليلية هيئةً تشبه إنسانًا جالسًا قرب النافذة، لم أشعر بالخجل وقتها، بل بشيءٍ
أشدّ قسوة، شعرتُ أنّ قلبي كان مستعدًّا لأن يحبّ أيّ شيء… أيّ شيء فقط كي لا يبقى
شاغرًا إلى هذا الحدّ.
في تلك اللحظة، لم أسقط من الحبّ… بل سقطتُ من نفسي قليلًا، وسقطت هي من النافذة.
النوافذ البعيدة
لاحقًا، فهمت أنّ الحكاية لم تكن عن
المراهقة وحدها، كثيرٌ من الناس يعيشون حياتهم وهم يحدّقون في نوافذ بعيدة، يقنعون
أنفسهم أنّ خلف الضوء أحدًا يسمعهم أو يشعر بهم.
نمنح الأشياء أكثر ممّا تمنحنا، وندافع
عنها أكثر ممّا تدافع عنّا، ونظلّ نبرّر صمتها لأنّنا نخاف الاعتراف بأنّنا وحدنا
في العلاقة.
وفي السياسة كما في الحبّ، ليست أقسى الخيبات تلك التي تنتهي بالخيانة، بل تلك التي تكتشف فيها أنّ الطرف الآخر لم يكن موجودًا أصلًا.
الخيبة الصامتة
المأساة ليست أن تخسر علاقة، بل أن تكتشف أنّك كنت تعيشها وحدك بالكامل، لهذا يبدو بعض الناس مرهقين دائمًا، لا لأنّ الحياة أثقل من غيرها، بل لأنّهم يستهلكون أعمارهم في انتظار إشاراتٍ لا تأتي، وفي اختراع دفءٍ غير موجود.
ومع ذلك، يبقى في الإنسان جزءٌ غريب لا
يتعلّم، جزءٌ صغير يحنّ، رغم كلّ شيء، إلى تلك الستائر الوردية القديمة.
لا لأنّ ما خلفها كان حقيقيًّا، بل لأنّ الوهم أحيانًا… أرحم من الفراغ.
ثم تُفتح النافذة أخيرًا، لا تجد امرأةً تنتظرك، ولا وطنًا يسمعك، فقط خزانة عتيقة…كنتَ تمنحها قلبك كلّ ليلة.




