شريط الأخبار

من “فتى الزرقاء” إلى خريج الحقوق

من “فتى الزرقاء” إلى خريج الحقوق
كرمالكم :  

د. أشرف الراعي

خلال عملي سابقاً في إحدى القنوات الفضائية، اقترحت على إدارة القناة استضافة الشاب صالح حمدان، الذي عرفه الأردنيون يومها باسم "فتى الزرقاء”. لم يكن هدفي من اللقاء إعادة سرد المأساة التي تعرض لها ولا تسليط الضوء على حجم المعاناة التي عاشها فقد كان ذلك معروفاً للجميع؛ بل كنت أبحث عما بعد المعاناة.. عن الإنسان حين يقرر أن ينهض من جديد، وعن الشاب الذي يمكن أن يصنع من ألمه طريقاً مختلفاً للمستقبل.

وصلت إلى صالح بعد رحلة سفر، وكان يقيم آنذاك مع عائلته في منزلهم الجديد بعد المأساة التي تعرض لها. التقيته على باب البناية لغايات التصوير، وما زلت أذكر ذلك اللقاء جيداً.

كان أمامي شاب يحمل طموحاً كبيراً ولافتاً. لم يكن يتحدث باعتباره ضحية بل كان يتحدث عن مستقبله وعن الدراسة وعن العدالة. وقال لي يومها عبارة بقيت عالقة في ذاكرتي: "أريد أن أصبح قاضياً، لأحكم بالعدل على من ظلموا أشخاصاً مثلي”.

كانت كلمات أكبر من عمر صاحبها، وأكبر من قسوة التجربة التي مر بها. فقد اختار صالح، وهو الخارج من واحدة من أقسى التجارب ألا يجعل الانتقام مشروعه بل جعل العدالة طموحه.

واليوم، تمر السنوات سريعاً، ويأتي الخبر الجميل: صالح حمدان يتخرج في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية.

بالنسبة لي، لم يكن خبراً عابراً. أعادني مباشرة إلى ذلك اليوم وإلى ذلك الشاب الذي وقف أمام الكاميرا يتحدث بثقة عن حلمه بأن يدرس القانون وأن يصل يوماً إلى منصة القضاء.

ها هو اليوم يقطع خطوة كبيرة في الطريق.

أنا فخور بإنجاز صالح، وفخور به كشاب أردني نفض عن نفسه غبار الخوف ورفض أن تبقى المأساة عنوان حياته وانطلق محلقاً في رحاب القانون والعدالة. فما تعرض له كان يمكن أن يهزم الكثيرين لكنه اختار أن يحول التجربة إلى دافع وأن يرد على الظلم بالعلم وعلى الألم بالنجاح وعلى الخوف بالطموح.

صالح..

أبارك لك تخرجك في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية، تلك الكلية التي أعتز بها كثيراً؛ فقد احتضنتني طالباً في مرحلتي البكالوريوس والماجستير، قبل أن أعود إلى الجامعة الأردنية لأحصل على درجة ماجستير أخرى في الإعلام. أقولها دائماً باعتزاز: أنا خريج كلية الحقوق.. ولي الشرف.

وأبارك كذلك لعميد الكلية العزيز الأستاذ الدكتور باسم ملحم ولأسرة كلية الحقوق جهودهم في دعم الطلبة وتمكينهم ولا سيما أولئك الذين يحملون في داخلهم إيماناً حقيقياً بالقانون والعدالة.

في إيمان عميد الكلية د. باسم وأعضاء الهيئة التدريسية؛ فقصة صالح اليوم ليست قصة تخرج جامعي فقط بل هي رسالة إلى كل من مر بتجربة قاسية وظن للحظة أن الطريق انتهى. بعض النهايات المؤلمة يمكن أن تصبح بدايات مختلفة حين يكون الإنسان قادراً على النهوض وحين يجد من حوله من يؤمن بقدرته على الاستمرار.

اليوم، يقف صالح حاملاً شهادة في القانون.

بقيت خطوات أخرى يا صالح

وإن شاء الله نراك يوماً تعتلي منصة القضاء وتحكم بالعدل كما حلمت وأنت في بداية الطريق.

مبارك لك ولكلية الحقوق في الجامعة الأردنية