يعيش العديد من المزارعين في مناطق عدة بالمملكة وسط مأزق خسائر جديدة نتجت عن موجة الصقيع التي طالت مساحات واسعة وبنسب متفاوتة محاصيلهم الزراعية خلال المنخفض الجوي الأخير.
ورغم أن المزارعين يجتهدون لحماية محاصيلهم من الصقيع بأساليب وطرق عديدة، بالإضافة إلى حرص الجهات المعنية على تكرار الإرشادات المتعلقة بذلك، إلا أن مشهد الخسائر يتكرر عادة عند حدوث موجات صقيع.
ويعول المزارعون على تعويض جزء من الخسائر التي لحقت بهم، من خلال قيام الجهات الرسمية المعنية بحصر الأضرار والعمل على تعويض المتضررين، الذين يؤكدون أن الصقيع أفسد بفرحتهم بمحاصيل كان يفترض أن تشق إلى طريقها إلى الأسواق، لا سيما مع حلول شهر رمضان.
ووفق مزارعين في لواء الغور الشمالي، فإن العديد من أصناف الخضار والأشجار المثمرة تأثرت بموجة الصقيع ما تسبب بخسائر مالية لهم، مشيرين إلى أن موجة الصقيع التي اجتاحت مناطق وادي الأردن طالت المزروعات الخضرية والزراعات الاستوائية والحمضيات بنسبة تقدر بحوالي 80 %.
تفاوت في نسبة
الأضرار
وقالوا، إن هناك تفاوتا في نسبة الأضرار، وكانت الأعلى في أشجار الموز وأنواع أشجار الزراعات الاستوائية مثل الأفوكادو والبابايا، إلى جانب تضرر أشجار الحمضيات التي طالتها موجة الصقيع، لافتين إلى أن الأمر يؤثر على الإنتاجية للموسم المقبل، ويؤدي كذلك إلى تدني جودة المنتجات.
وطالبوا، الجهات المعنية باتخاذ إجراءات عملية وواقعية تناسب حال المزارعين في الوقت الحالي، لكي يتمكنوا من الاستمرار في العمل الزراعي، في ظل الخسائر التي يتكبدها القطاع الزراعي لأسباب عدة لا تقف عند الصقيع.
من جهته، قال رئيس جمعية مزارعي وادي الريان مثقال الزيناتي: "وادي الأردن يعد منطقة منكوبة جراء الظروف التي تواجه القطاع الزراعي، ونظرا للأرقام الكبيرة في حجم الأضرار بالبيوت البلاستيكية والأغطية والتي تقدر بالآلاف"، مبينا أن الضرر تعدى إلى مزروعات البيوت من الخضار، ومحذرا في الوقت ذاته من أنه سيكون هناك نقص حاد في كمية المنتوجات الزراعية المعروضة نتيجة التلف.
إلى ذلك، اضطرت مديرية زراعة لواء الأغوار الشمالية إلى تشكيل ثلاث لجان وزعت على المناطق الزراعية لحصر الأضرار، بحسب مديرها المهندس محمد النعيم، الذي أكد في حديثه "للغد" أن لجانا تم تشكيلها وتوزيعها في ثلاث مناطق من العدسية شمالا وحتى الكريمة جنوبا للوقوف على الأضرار التي تكبدها المزارعون وتسجيلها.
وقال إن لجان المديرية نفذت كشفا أوليا لأضرار موجة الصقيع، لافتا إلى أن أضرار الصقيع تركزت في مناطق الشونة الشمالية ووادي الريان والمناطق الزورية بمحاذاة نهر الأردن، فيما أشار إلى أن اللجان تعتمد في عملية حصر الأضرار على عمر المزروعات، والحيازة، والنوع، ونسبة الضرر.
وأوضح النعيم، أن عملية حصر أضرار الصقيع بشكل فعلي ودقيق ستكون بعد عدة أيام إلى حين اتضاح نسب الأضرار الفعلية، خصوصا مع استمرار انخفاض درجات الحرارة ليلا إلى ما دون الصفر المئوي.
كما أشار إلى أن الكشف الأولي الميداني على مساحات الأراضي الزراعية أظهر تضرر أشجار الموز بالدرجة الأولى، إلى جانب تأثر العديد من الزراعات الخضرية مثل الكوسا، والباذنجان، والبطاطا، والفلفل، وأشجار الزراعات الاستوائية والحمضيات والموز بنسب مبدئية متفاوتة.
وجدد النعيم دعوته للمزارعين إلى إعادة تثبيت البيوت البلاستيكية واتخاذ إجراءات بناءً على تحذيرات وزارة الزراعة خلال الحالة الجوية للتخفيف من حدة الأضرار.
وتبلغ المساحة الزراعية في لواء الأغوار الشمالية نحو 118 ألف دونم، معظمها من الحمضيات بمساحة 66 ألف دونم، والخضروات بمساحة 34 ألف دونم، و12 ألف دونم للقمح والشعير، إضافة إلى 3000 دونم.
استعدادات
استباقية بلا جدوى
وقبل المنخفض الجوي الأخير، كان العشرات من المزارعين في منطقة وادي الأردن باشروا بالتحضير لمواجهة الصقيع من خلال استخدام الطرق التقليدية، وهي جمع الإطارات المطاطية والحطب، وتحضير المبيدات لرش المزروعات الخضرية، وتعبئة البرك الزراعية لإسالة المياه في حال حدوث الصقيع.
ومع أن مزارعين يلجأون إلى شراء الكاوتشوك لاستخدامه في تدفئة المزروعات المكشوفة، فإن مديرية زراعة وادي الأردن، تنصح المزارعين بعدم حرق الإطارات لتدفئة النباتات، وذلك للأضرار البيئية التي تسببها، داعية إلى الاستعاضة عنها بحرق الحشائش وحرق المخلفات الحيوانية، أو أي شيء يساعد في تدفئة المحاصيل عند بداية البرودة أو استخدام الكبريت أو رش الكبريت السائل عن طريق الماتورات.
وأكد المزارع محمد الزينات، بأنه باشر بجمع إطارات "الكاوتشوك" المهترئة لاستغلالها في عملية ما يعرف بـ"التدخين" التي تحد من آثار موجات الصقيع، وتفاديا لوقوع أي من الخسائر المالية التي تطال القطاع الزراعي في كل عام، وخصوصا من موجات الصقيع.
وقال المزارع خالد العيد، إنه "لا يوجد وسيلة أرخص وأفضل من إطارات "الكاوتشوك" رغم علمه بأضرارها البيئية، باعتبارها وسيلة تدرأ خطورة الجليد".
أما المزارع محمد الكايد، فيقول إن الطرق التقليدية من أفضل الوسائل التي تساعد المزارعين تفاديا لأضرار الصقيع، رغم أنها في بعض الأحيان غير ناجعة، كإحراق الإطارات أو حرق جفت الزيتون، مع إدراكهم بأنها مضرة بصحة المزارعين والمزروعات جراء الغازات المنبعثة من عمليات الحرق.
ماذا عن
محافظة جرش؟
وفي محافظة
جرش أيضا، تعرضت مساحات واسعة من الحقول الزراعية في القرى والبلدات الأشد برودة،
لموجة صقيع خلال الأيام الماضية، نتيجة تأثر المزروعات بدرجات الحرارة المنخفضة.
وأكد مزارعون لـ"الغد"، أن الزراعات التي تضررت هي مزارع الخضراوات الورقية والزراعات الشتوية بمختلف أنواعها، وأشجار اللوز التي كانت في مرحلة الإزهار وبعض الأشجار المثمرة التي وصلت مرحلة الإزهار منها الإجاص، فضلا عن مساحات واسعة من الزراعات الورقية.
وقال المزارع عيسى العياصرة: "إن أشجار اللوز والإجاص تعرضت لضربة الصقيع ولن تنتج هذا الموسم، على الرغم من أن أسعار اللوز مرتفعة كون الأشجار كانت في مرحلة الأزهار، وقد تعرضت لضربة الصقيع في القرى والبلدات، خصوصا في بلديتي سوف وساكب التي تنخفض فيها درجات الحرارة لما دون الصفر المئوي".
وطالب العياصرة، وزارة الزراعة بضرورة حصر الأضرار وتعويض المزارعين أسوة بالمزارعين المتضررين في المناطق الأخرى، لا سيما أن الأشجار هي مصادر دخل أساسية لهم.
وتعرضت الزراعات الشتوية كذلك لضربة الصقيع، ومنها الفول والبازيلاء والخس والملفوف والورقيات والسبانخ والباذنجان وغيرها من الزراعات الشتوية في جرش، كون درجات الحرارة كانت منخفضة جدا ولا يمكن تفادي الأضرار بأي طريقة، وفق المزارع خالد العجوري.
وقال العجوري: "إن نسبة الضرر كبيرة، وهي مواسم كاملة كان يتوقعها المزارعون لتسويقها خلال شهر رمضان الذي ترتفع فيه الأسعار بشكل عام، لا سيما أن المزارعين قاموا بري مزروعاتهم الشتوية على نفقتهم الخاصة، نظرا لتأخر الموسم المطري للحرص على عدم خسارتها، إلا أن ضربة الصقيع قد قضت عليها، وقد كانت مصادر دخل يعول عليها المزارعون بحلول شهر رمضان".
وحاولت "الغد" الحصول على توضيحات من مديرة زراعة جرش الدكتورة علا المحاسنة، إلا أنها لم تجب على الاتصالات.
الأغوار
الوسطى لها حصة من أضرار الصقيع
وبالإضافة إلى تضرر المحاصيل الزراعية في مناطق متفرقة من وادي الأردن وكان أكثرها تأثيرا في الأغوار الشمالية، لحقت أيضا أضرار متفاوتة بمحاصيل الموز والباذنجان في الأغوار الوسطى.
ويؤكد المزارع محمد العدوان أن كامل مزرعته المزروعة بأشتال الموز تعرضت للتلف، مقدرا خسارته بأنها زادت على عشرة آلاف دينار.
وأوضح أن غالبية الأشتال التي زرعت حديثا تعرضت للأضرار نفسها، ما تسبب بخسائر كبيرة للمزارعين، لافتا في الوقت ذاته إلى أن الأضرار تفاوتت بين مزرعة وأخرى، إذ وصلت إلى ما يقارب 100 % في بعض المزارع.
كما أكد العدوان، أن الضرر لحق بالأوراق الغضة والطرية، حيث تسببت موجة الصقيع بتلفها بشكل كامل، في حين تعرضت مزارع أخرى لأضرار متفاوتة، إلا أنها في الغالب ستؤثر سلبا على الإنتاج خلال الفترة المقبلة، مطالبا الحكومة بالإسراع بتشكيل لجان لحصر الأضرار والعمل على تعويض المزارعين عن هذه الخسائر.
أما المزارع محمد نور، فيشير من جهته، إلى أن الصقيع أتلف محصول الباذنجان في مزرعته إذ زادت نسبة الأضرار على 60 %، مبينا "أن الخسائر الحالية لا يمكن تقديرها لأن عملية إنعاش المحصول تستغرق أكثر من شهر وتحتاج إلى كلف رش وسماد، ناهيك عن فقدان موسم شهر رمضان الذي كنا نعول عليه لبيع المحصول بثمن أفضل".
وأضاف، أن البدء بحصر أضرار الصقيع واقعيا يحتاج إلى عدة أيام، إلى حين اتضاح نسب الأضرار الفعلية، خصوصا مع استمرار انخفاض درجات الحرارة ليلا، مشيرا إلى أن بعض المحاصيل لا يمكن تعويضها كأشتال الموز الجديدة التي تضررت بالكامل.
ويرى نور، أن الإجراءات الوقائية والمتمثلة بالتدخين والتي تشمل إشعال مجموعة من الحرائق حول المحصول لم تجد نفعا، خصوصا في الزراعات الجديدة، لافتا كذلك إلى أن الضرر تمثل بشكل أكبر في مزارع الموز وبدرجات أقل في المحاصيل الخضرية كالباذنجان والبندورة.
الخدام يطالب
بتعوض المتضررين
من جانبه، يؤكد رئيس اتحاد مزارعي وادي الأردن عدنان الخدام، أن معظم الزراعات في وادي الأردن تعرضت إلى أضرار خلال الأيام الماضية مع تشكل الصقيع، مشيرا إلى أن نسبة الأضرار تفاوتت بين 100 % في المناطق الشمالية و40 % في المناطق الوسطى.
وبين الخدام، أن الضرر الأكبر لحق بمحاصيل البطاطا والكوسا والبندورة والباذنجان والموز في مناطق الشونة الجنوبية، مطالبا الحكومة العمل على تعويض المزارعين المتضررين عن خسائرهم الكبيرة بما يمكنهم من الوفاء بالتزاماتهم وسداد ديونهم على أقل تقدير.
وكانت وزارة الزراعة قد حذرت من تشكل الصقيع، داعية المزارعين إلى اتباع الطرق التقليدية كتغطية النباتات بمادة القش لتدفئة النبات ومقاربة عدد مرات ري المحاصيل الزراعية خاصة خلال ساعات الليل والصباح الباكر واتباع الممارسات والأساليب الزراعية التي ينصح بها الإرشاد الزراعي، مشددة على ضرورة قيام المزارعين بإغلاق البيوت البلاستيكية والأنفاق بشكل محكم والابتعاد عن إشعال الإطارات والمواد البلاستيكية حفاظا على صحتهم وسلامة البيئة والاستعاضة عنها بإشعال الأسمدة العضوية ومخلفات الأشجار والجفت.
محصول الفول
الأكثر تضررا في الرمثا
إلى لواء
الرمثا في محافظة إربد، حيث شكا مزارعون في الرمثا من الأضرار التي لحقت
بمزروعاتهم جراء موجة الصقيع التي شهدها اللواء خلال الأيام الماضية.
وقال المزارع مكرم المراشدة، إن نسبة الضرر التي لحقت بالمزروعات بشكل عام تتراوح بين 20 % إلى 50 %، وفي بعض الأصناف وصلت نسبة الضرر إلى أكثر من 80 %.
وأشار إلى أن نسبة الضرر بمحصول الفول كانت مرتفعة وتجاوزت 90 % في بعض المزارع، الأمر الذي كبد المزارعين خسائر فادحة، خصوصا أن هناك آلاف الدونمات مزروعة بهذا المحصول.
ولفت
المراشدة، إلى أن هناك محاصيل طالها الضرر بسبب موجة الصقيع، وكانت نسبتها متفاوتة
كمحصول البطاطا والبصل والكوسا والخيار والفراولة والبندورة.
وأكد، أن جميع المزروعات المكشوفة والمغطاة ببيوت بلاستيكية طالها الضرر، وأن هناك بعض الزراعات كالبصل والبطاطا مقاومة للصقيع، وستنمو من جديد.
وبين المراشدة، أن هذه الأضرار طالت صغار المزارعين الذين لم يتمكنوا من حماية مزروعاتهم خلال فترة الصقيع من خلال العمل على تدفئتها، مما أدى إلى التسبب بخسائر فادحة لهم.
ودعا وزارة الزراعة إلى تعويض المزارعين الذين تضررت مزارعهم بفعل الصقيع، مؤكدا أن جميع محاولات المزارعين لحماية محاصيلهم من الصقيع باءت بالفشل بعد قيام البعض منهم بإشعال إطارات مطاطية.
ولفت المراشدة، إلى أن معظم المزارعين الذين تضررت مزروعاتهم هم من صغار المزارعين الذين حصلوا على قروض مالية من البنوك ومن الشركات الزراعية من أجل تمويل مشاريعهم وهم مهددون اليوم بسبب تضرر مزروعاتهم وعدم وجود إنتاج.
وقال المزارع أبو ناصر، إن الموسم الزراعي سيكون الأسوأ لأسباب تراجع كميات الأمطار من جهة وموجات الصقيع التي ضربت المحاصيل الزراعية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف المستلزمات الزراعية.
وأشار إلى أن المستلزمات الزراعية المتمثلة بالمواد البلاستيكية والأسمدة والمبيدات وأجور العمالة الوافدة شهدت ارتفاعات خلال الفترة الماضية مقارنة قبل ثلاث سنوات، ما نسبته 100 %، فيما ما تزال الأسعار في الأسواق تشهد استقرارا وانخفاضا.
هل ترتفع
أسعار أصناف خضار وفواكه؟
ولفت أبو ناصر، إلى أنه ومع تراجع الهطول المطري هذا العام، سيؤدي إلى اضطرار المزارعين في الرمثا إلى سقي مزروعاتهم، حيث إنها تعتمد على 90 % على المياه، مما سيؤدي إلى زيادة التكاليف على المزارع.
وقال، إن
التعويضات التي تقدمها الحكومة للمزارعين المتضررين من موجات الصقيع لا تشكل 10 %
من القيمة الحقيقية للأضرار التي لحقت بالمزارعين.
وأشار أبو ناصر كذلك، إلى أن بعض أصناف الخضار والفواكه ستشهد ارتفاعات بأسعارها خلال الفترة المقبلة، كمحصول الكوسا والبطاطا بسبب موجة الصقيع وتضرر أعداد كبيرة من المزارع.
بدوره، دعا مدير زراعة إربد الدكتور عبد الحافظ أبو عرابي، المزارعين الذين تضررت محاصيلهم بفعل الصقيع إلى التوجه إلى المديريات المعنية وتقديم طلبات للكشف عليها من قبل اللجان المعنية.
وأشار أبو عرابي، إلى أنه ولغاية الآن لم يتقدم أي أحد من المزارعين في إربد بشكوى حول تضرر محاصيلهم هناك بفعل موجة الصقيع الأخيرة التي شهدتها المحافظة أخيرا.
الغد



