شريط الأخبار

جرش 2026... مهرجان يبتعد عن جمهوره ويقترب من النخبة.. أسعار مرتفعة وتنظيم يثير غضب الاردنيين

جرش 2026... مهرجان يبتعد عن جمهوره ويقترب من النخبة.. أسعار مرتفعة وتنظيم يثير غضب الاردنيين
كرمالكم :  

رصد- بينما يفترض أن يكون مهرجان جرش للثقافة والفنون مناسبة وطنية مفتوحة لكل الأردنيين، يبدو أن الدورة الأربعين لعام 2026 أثارت موجة غير مسبوقة من الانتقادات، بعدما شعر كثيرون بأن المهرجان الذي اعتادوا اعتباره "مهرجان الشعب" بدأ يتحول تدريجياً إلى فعالية لا يستطيع الجميع الوصول إليها.

أولى نقاط الجدل كانت أسعار التذاكر، التي وصلت إلى 50 ديناراً للمقاعد الأرضية و25 ديناراً للمدرجات في المسرحين الشمالي والجنوبي، وهي أسعار اعتبرها كثير من المتابعين مرتفعة مقارنة بقدرة الأسرة الأردنية في ظل الظروف الاقتصادية الحالية. وبالنسبة لعائلة مكونة من أربعة أفراد، فإن حضور حفل واحد قد يكلف ما بين 100 و200 دينار، دون احتساب تكاليف النقل والطعام، ما يجعل المشاركة ترفاً لا يقدر عليه الجميع.

ولم يكن ارتفاع الأسعار وحده محل الانتقاد، بل إن اعتماد نظام درجتين للمقاعد، مع الفصل بينهما بحواجز، أثار تساؤلات حول فلسفة المهرجان. فهل من المنطقي أن يتحول مهرجان يحمل صفة "الثقافي الوطني" إلى تجربة تميّز بين جمهور درجة أولى وآخر درجة ثانية؟ وهل تتوافق هذه الصورة مع رسالة المهرجان التي طالما قامت على إتاحة الثقافة والفن للجميع؟

كما أثار قصر بيع التذاكر على الحجز الإلكتروني استياء شريحة واسعة، خصوصاً كبار السن والمواطنين الذين لا يستخدمون وسائل الدفع الإلكتروني أو التطبيقات الرقمية بسهولة. صحيح أن التحول الرقمي خطوة مطلوبة، لكن اقتصار البيع على منصة إلكترونية واحدة خلق انطباعاً بأن المهرجان أغلق أبوابه أمام جزء من جمهوره التقليدي.

وتساءل متابعون أيضاً عن الأولويات في البرمجة الفنية، معتبرين أن المهرجان يمنح الفنان العربي مساحة أوسع من الفنان الأردني، في وقت يحتاج فيه الإبداع المحلي إلى دعم حقيقي، لا مجرد حضور رمزي. فبعد أربعين عاماً على انطلاق المهرجان، ما يزال كثير من الفنانين الأردنيين يشعرون بأنهم ضيوف في مهرجان يقام على أرضهم.

كما يرى منتقدون أن إدارة المهرجان ركزت هذا العام بصورة كبيرة على التسويق والهوية البصرية والشعارات الجديدة، بينما بقيت الأسئلة الجوهرية المتعلقة بتجربة الزائر، والأسعار، وسهولة الوصول، وتعزيز مشاركة المجتمع المحلي دون إجابات مقنعة.

ولا يمكن تجاهل أن مهرجان جرش ليس مجرد سلسلة حفلات غنائية، بل مشروع ثقافي ووطني يمول بصورة مباشرة أو غير مباشرة من المال العام، وهو ما يفرض على القائمين عليه مسؤولية أكبر في ضمان العدالة في الوصول إلى فعالياته، والاستماع إلى ملاحظات الجمهور، وعدم التعامل مع أي انتقاد باعتباره هجوماً على المهرجان.

اليوم، لا يحتاج مهرجان جرش إلى المزيد من التلميع بقدر ما يحتاج إلى مراجعة شاملة تعيد الاعتبار لفكرته الأصلية: مهرجان لكل الأردنيين، لا مهرجان لمن يستطيع دفع ثمن التذكرة فقط. فنجاح أي مهرجان لا يقاس بعدد النجوم الذين يصعدون إلى المسرح، بل بعدد المواطنين الذين يشعرون بأن هذا الحدث يمثلهم ويستطيعون المشاركة فيه.

لقد بلغت الدورة الأربعون، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زال مهرجان جرش مهرجاناً شعبياً كما عرفه الأردنيون، أم أنه بدأ يفقد هويته تدريجياً لصالح نموذج أكثر تجارية وأقل قرباً من جمهوره؟