د . خالد الوزني
في ختام اجتماع الفيدرالي الأخير يومي 29 و30 تموز/ يوليو الماضي، قرَّر مجلس الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة في نطاق 4.25%–4.50%، مبرراً ذلك بوضع اقتصادي لا يزال يتسم بـ«ضبابية عالية»، وبضرورة مراقبة البيانات القادمة قبل تعديل السياسة النقدية. مؤخراً، وفي مؤتمر جاكسون هول (22 آب/ أغسطس 2025)، لمَّح باول إلى إمكانية خفض تدريجي للفائدة يبدأ في شهر أيلول/سبتمبر، مع الإشارة إلى تباطؤ سوق العمل وتزايد المخاطر التضخمية الناتجة عن الرسوم الجمركية التي فُرِضَت منذ بداية عهد ترامب. هذه التلميحات أسهمت في زيادة التفاؤل لدى الأسواق، لكن باول شدَّد على أنَّ التوقيت سيعتمد على تطورات البيانات الاقتصادية. من يقرأ الفقرة السابقة يقع في حيرة شديدة؛ فالوضع الاقتصادي ذو «الضبابية العالية» أخذ ينقشع، حسب ما جاء في مؤتمر جاكسون هول، عن أخطار تضخمية، وتراجع في مستوى توليد الوظائف، ما يعني أنَّ الأدعى هو التلميح بعدم خفض أسعار الفائدة، بل تثبيتها على أقل تقدير.
ولكنَّ الظاهر أنَّ بواطن الأمور تشير إلى خضوع تكتيكي من قِبل الفيدرالي الأمريكي ورئيسه، للضغوط السياسية، وتلك هي أولى علامات ومؤشرات انحدار الاقتصادات الكبرى، بل هي من أهم إرهاصات أفول الإمبراطوريات على مدى التاريخ الاقتصادي. خلط الأطماع السياسية بالثروات، والتدخُّل بإيقاع تداول النقود، وسرعة حركتها، وضوابط استقرارها، هي الوصفة التي تؤدي في النهاية إلى تدهور العملات، وفقدان الثقة بها، وفقدان السيطرة على الاقتصاد مع مرور الزمن، حتى وإن كان ذلك ليس بظاهر للعلن في الأجل القصير، أو حتى المتوسط. إنَّ استقلالية البنك المركزي، ما يعني استقلالية السياسة النقدية، ليست رفاهية أكاديمية، بل هي شرط أساسي لاستقرار الاقتصاد. المؤسَّسات ذات الاستقلالية - التي تحكم بالأساس بناءً على معطيات الاقتصاد وليس السياسة الانتخابية أو الدكتاتورية - غالباً ما تحقِّق معدلات تضخُّم أقل، وتكسب ثقة المستثمرين والمواطنين على حدٍّ سواء. تَعرُّض السياسيين لهذه المؤسسات يحوِّلها إلى ساحة للسوسيولوجيا المالية المُزعزِعة التي أدَّت على مرِّ التاريخ إلى ظهور أعراض التضخُّم غير المبرر، وتراجع النمو، وتفاقم معدلات البطالة، لتكون المحصّلة في انخفاض القوة الشرائية للعملات، وتفاقُم مستوى المعيشة، وفقدان القدرات التصديرية بسبب تضخُّم دفع التكاليف، وتفاقم تكاليف الاقتراض على المدى الطويل. وبالرغم من أنَّ الرأي السائد حتى الآن ينفي أن يكون باول قد خضع للضغوط السياسية الترامبية، وأنّه حاول موازنة استقلالية المؤسسة مع الواقع الاقتصادي المتغير، بيد أنَّ ما جاء في رسالته حول خفض محتمَل لأسعار الفائدة، لأسباب اقتصادية حقيقية كما قال، لا تلبية للضغوط السياسية، لا يدعو للطُّمأنينة على مستقبل استمرار سيطرة الدولار على نحو 60% من الاحتياطيات العالمية، وعلى نحو ثلثي المدفوعات العالمية للتجارة الدولية. كتل اقتصادية على غرار «بريكس» وغيرها بدأت مسيرة، قد لا تطول كثيراً، نحو البدائل، سواء عبر التسويات بالعملات الوطنية، أو عبر عملات رقمية مدعومة باقتصادات كبيرة مثل الحالة الصينية، وقريباً الروسية. الشاهد أنَّ منظومة إدارة المخاطر، ومعطيات نظام الإنذار المُبكر تتطلبان من نحو 66 دولة حول العالم تربط عملتها بالدولار، أن تبدأ - وعلى مدى فترة لا تتجاوز عقداً من الزمن - بصياغة منظومة جديدة للاحتياطيات والتسويات الأجنبية، اعتماداً على المعادن والعملات الرقمية، وما سيظهر من أنظمة وعملات رقمية عالمية. ليس هناك ما يدعو للقلق على المدى القريب والمتوسط، ولكن خيراً لتلك الدول أن تتجنَّب الخطر، من أن تضطرَّ لإدارة تبعاته، حتى لو أحسنت ذلك سابقاً.
khwazani@gmail.com
* أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة - كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية
د . خالد الوزني
في ختام اجتماع الفيدرالي الأخير يومي 29 و30 تموز/ يوليو الماضي، قرَّر مجلس الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة في نطاق 4.25%–4.50%، مبرراً ذلك بوضع اقتصادي لا يزال يتسم بـ«ضبابية عالية»، وبضرورة مراقبة البيانات القادمة قبل تعديل السياسة النقدية. مؤخراً، وفي مؤتمر جاكسون هول (22 آب/ أغسطس 2025)، لمَّح باول إلى إمكانية خفض تدريجي للفائدة يبدأ في شهر أيلول/سبتمبر، مع الإشارة إلى تباطؤ سوق العمل وتزايد المخاطر التضخمية الناتجة عن الرسوم الجمركية التي فُرِضَت منذ بداية عهد ترامب. هذه التلميحات أسهمت في زيادة التفاؤل لدى الأسواق، لكن باول شدَّد على أنَّ التوقيت سيعتمد على تطورات البيانات الاقتصادية. من يقرأ الفقرة السابقة يقع في حيرة شديدة؛ فالوضع الاقتصادي ذو «الضبابية العالية» أخذ ينقشع، حسب ما جاء في مؤتمر جاكسون هول، عن أخطار تضخمية، وتراجع في مستوى توليد الوظائف، ما يعني أنَّ الأدعى هو التلميح بعدم خفض أسعار الفائدة، بل تثبيتها على أقل تقدير.
ولكنَّ الظاهر أنَّ بواطن الأمور تشير إلى خضوع تكتيكي من قِبل الفيدرالي الأمريكي ورئيسه، للضغوط السياسية، وتلك هي أولى علامات ومؤشرات انحدار الاقتصادات الكبرى، بل هي من أهم إرهاصات أفول الإمبراطوريات على مدى التاريخ الاقتصادي. خلط الأطماع السياسية بالثروات، والتدخُّل بإيقاع تداول النقود، وسرعة حركتها، وضوابط استقرارها، هي الوصفة التي تؤدي في النهاية إلى تدهور العملات، وفقدان الثقة بها، وفقدان السيطرة على الاقتصاد مع مرور الزمن، حتى وإن كان ذلك ليس بظاهر للعلن في الأجل القصير، أو حتى المتوسط. إنَّ استقلالية البنك المركزي، ما يعني استقلالية السياسة النقدية، ليست رفاهية أكاديمية، بل هي شرط أساسي لاستقرار الاقتصاد. المؤسَّسات ذات الاستقلالية - التي تحكم بالأساس بناءً على معطيات الاقتصاد وليس السياسة الانتخابية أو الدكتاتورية - غالباً ما تحقِّق معدلات تضخُّم أقل، وتكسب ثقة المستثمرين والمواطنين على حدٍّ سواء. تَعرُّض السياسيين لهذه المؤسسات يحوِّلها إلى ساحة للسوسيولوجيا المالية المُزعزِعة التي أدَّت على مرِّ التاريخ إلى ظهور أعراض التضخُّم غير المبرر، وتراجع النمو، وتفاقم معدلات البطالة، لتكون المحصّلة في انخفاض القوة الشرائية للعملات، وتفاقُم مستوى المعيشة، وفقدان القدرات التصديرية بسبب تضخُّم دفع التكاليف، وتفاقم تكاليف الاقتراض على المدى الطويل. وبالرغم من أنَّ الرأي السائد حتى الآن ينفي أن يكون باول قد خضع للضغوط السياسية الترامبية، وأنّه حاول موازنة استقلالية المؤسسة مع الواقع الاقتصادي المتغير، بيد أنَّ ما جاء في رسالته حول خفض محتمَل لأسعار الفائدة، لأسباب اقتصادية حقيقية كما قال، لا تلبية للضغوط السياسية، لا يدعو للطُّمأنينة على مستقبل استمرار سيطرة الدولار على نحو 60% من الاحتياطيات العالمية، وعلى نحو ثلثي المدفوعات العالمية للتجارة الدولية. كتل اقتصادية على غرار «بريكس» وغيرها بدأت مسيرة، قد لا تطول كثيراً، نحو البدائل، سواء عبر التسويات بالعملات الوطنية، أو عبر عملات رقمية مدعومة باقتصادات كبيرة مثل الحالة الصينية، وقريباً الروسية. الشاهد أنَّ منظومة إدارة المخاطر، ومعطيات نظام الإنذار المُبكر تتطلبان من نحو 66 دولة حول العالم تربط عملتها بالدولار، أن تبدأ - وعلى مدى فترة لا تتجاوز عقداً من الزمن - بصياغة منظومة جديدة للاحتياطيات والتسويات الأجنبية، اعتماداً على المعادن والعملات الرقمية، وما سيظهر من أنظمة وعملات رقمية عالمية. ليس هناك ما يدعو للقلق على المدى القريب والمتوسط، ولكن خيراً لتلك الدول أن تتجنَّب الخطر، من أن تضطرَّ لإدارة تبعاته، حتى لو أحسنت ذلك سابقاً.
khwazani@gmail.com
* أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة - كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية