شريط الأخبار

"شكوى بشكوى" حين يتساوى المعتدي والضحية

شكوى بشكوى حين يتساوى المعتدي والضحية
كرمالكم :   فيصل تايه

حين تتحول "الشكوى" من وسيلة لطلب الإنصاف إلى أداة للمساومة، وحين يصبح "التقرير الطبي" ورقة نجاة لا دليل إدانة، تطوى حقوق المظلومين تحت مسمى "التسوية"، ويترك المجتمع أمام سؤال خطير لا يجوز القفز فوقه : من يحمي العدالة حين يتساوى المعتدي والضحية؟

في هذا الواقع المقلق، لم تعد الخطورة كامنة في "جريمة الايذاء" وحدها، بل في الطريقة التي تدار بها، وفي ممارسات تتكرر حتى باتت مألوفة، خاصة حين تصنف في باب "المشاجرات" ، فتغلق القضايا بدل أن تكشف حقيقتها، وتنهي الملفات إدارياُ بينما تفتح جروحاً عميقة في وجدان الناس وثقتهم بالقانون.

لقد برزت في المجتمع، وبشكل متزايد، ظاهرة خطيرة تعرف بما بات يتداول بين الناس باسم "شكوى بشكوى" و"تقرير طبي بتقرير طبي"، وهي ظاهرة لا يمكن التقليل من آثارها، لأنها لا تكتفي بتسوية النزاعات، بل تسوي جريمة الاعتداء او الإيذاء ذاتها، وتفرغ مبدأ المحاسبة من مضمونه ، ففي ظل هذه الممارسة، يعاد تعريف الاعتداء على أنه "خلاف”، ويدفع المجني عليه إلى مربع المساواة القسرية مع من اعتدى عليه، لا لأن الوقائع متشابهة، بل لأن الأوراق أصبحت أقوى من الحقيقة.

والأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة لا تقوم على العدالة، بل على اختلال ميزان القوة بين الأطراف ، ففي كثير من الحالات، يكون الطرف المعتدي شخصاً متمرساً، صاحب "خبرة" في دهاليز الشكاوى، يعرف كيف يفتعل شكوى مضادة، وكيف يحصل على تقرير طبي، وكيف يحول نفسه من جان إلى خصم "مكافئ" ، وفي المقابل، يقف المواطن البسيط، الذي لم يعتد هذا الطريق، عاجزاً أمام واقع يطلب منه فيه القبول بتسوية لا تنصفه، لا لأن الحق ليس معه، بل لأن النظام اختار الطريق الأسهل لا الطريق الأعدل ، لذلك يضطر المواطن، قبل أن ترفع القضية إلى المحكمة، إلى عقد تسوية مرغمة، لأنه يواجه شكوى مقابلة، وفي الوقت نفسه الطرف الآخر قد حصل على تقرير طبي يستخدم لإدانته، فتبدو التسوية هي الطريق الوحيد لتجنب ضياع حقه بالكامل.

وهنا تتجلى خطورة هذه الممارسات، لأنها لا تمس فئة بعينها، ولا تقتصر على حالات نادرة أو استثنائية، بل تضع كل فرد في المجتمع تحت دائرة الخطر ، فأي واحد منا قد يجد نفسه، في لحظة ما، داخل قضية لم يخترها، أو متهماً بتهمة لم يرتكبها، أو معتدى عليه ثم مطالباً بالقبول بتسوية تساويه بالمعتدي، فقط لأن الطرف الآخر كان أسرع، أو أجرأ، أو أكثر معرفة بكيفية إدارة الشكوى ، وهكذا، يتحول القانون من مظلة حماية إلى ساحة غير متكافئة، يخسر فيها من وثق بأن الحقيقة وحدها تكفي.

كم من مواطن تعرض للضرب أو الإيذاء أو الإهانة، ثم خرج من القضية وهو يشعر أن كرامته قد أُهدرت مرتين؟ مرة بالفعل، ومرة بالإجراء ، وكم من مظلوم اكتشف أن إثبات الحق لا يكفي، وأن التقرير الطبي، الذي يفترض أن يكون أداة للإنصاف، قد يتحول إلى وسيلة للالتفاف، وأن "شكوى بشكوى" ليست حلاً، بل نهاية صامتة لقضية عادلة.

إن العدالة لا تبنى على المساواة الشكلية بين الجاني والضحية، ولا على مقايضة الشكاوى، ولا على إغلاق القضايا لإراحة الملفات ، فالعدالة الحقيقية تقوم على التحقيق الجاد، والتمحيص المسؤول، والتمييز الواضح بين من اعتدى ومن اعتدي عليه ، وأما حين يختصر كل ذلك بتسوية سريعة، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع تكون في غاية الخطورة : أن من يملك الجرأة على التلفيق، أو الخبرة في التحايل، يستطيع أن يفلت، وأن القانون قد يتحول إلى أداة يستخدمها الأقوى ضد الأضعف.

ومع تكرار هذه الرسائل، لا يخسر الضحايا حقوقهم فحسب، بل تخسر الدولة واحدة من أهم ركائز استقرارها، وهي ثقة المواطن بعدالة مؤسساته ، فالظلم حين يصبح مألوفاً ، والصمت حين يتحول إلى خيار، تتآكل هيبة القانون تدريجياً ، وتفتح الأبواب أمام سلوكيات تهدد السلم المجتمعي وتضعف الردع وتشجع على التمادي.

من هنا، فإن هذا المقال ليس صرخة انفعال، ولا اتهاماً جزافياً، بل نداء عقل وضمير موجه إلى أصحاب القرار، لأن القضية لم تعد إجرائية أو هامشية، بل تمس جوهر العدالة الاجتماعية، وهيبة القانون، وأمان المجتمع.

المطلوب اليوم حلول حقيقية وجذرية، تعيد الاعتبار للتحقيق الموضوعي، وتضع ضوابط صارمة وواضحة لإصدار التقارير الطبية، وتمنع إغلاق القضايا تلقائياً تحت مبدأ "شكوى بشكوى"، وتضمن ألا يُترك المواطن الضعيف فريسة لتسويات لا تنصفه.

وأخيراً ، فان العدالة التي لا تنصف المظلوم تفقد معناها، والدولة التي لا تحمي مواطنيها من الظلم تفقد ثقتهم، والمجتمع الذي يعتاد على ضياع الحقوق يعتاد الخوف ، وهذه ليست مبالغة ولا تهويلاً ، بل حقيقة يجب التوقف عندها بجدية، لأن استمرار هذه الظاهرة يعني ببساطة أن الضحية القادمة قد تكون أي واحد منا.

والله الموفق

مواضيع قد تهمك