الدكتور علي فواز العدوان
يترقب العالم نهاية الحرب الإيرانية الأمريكية ـ الإسرائيلية، ولا تبدو الأسئلة الكبرى مرتبطة فقط بوقف إطلاق النار، بل بما بعد الحرب؛ أي بمرحلة إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، وإعادة هندسة موازين الطاقة، وإعادة تعريف مفهوم الأمن البحري الدولي في واحد من أخطر الممرات الاستراتيجية في العالم: مضيق هرمز.
فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أن السلام بات قريبًا وأن المضيق سيُعاد فتحه، إلا أن الأسواق العالمية لم تعد تتعامل مع التصريحات السياسية بوصفها حقائق نهائية، خاصة بعد أشهر طويلة من "الهدن المؤقتة” والانهيارات السريعة للاتفاقات. ولهذا بقي النفط مرتفعًا، وبقيت شركات التأمين البحري تنظر إلى الخليج العربي باعتباره منطقة حرب مفتوحة حتى إشعار آخر.
الحرب الأخيرة كشفت أن إيران، رغم التفوق العسكري الساحق الذي واجهته، استطاعت استخدام الجغرافيا كسلاح استراتيجي بالغ التأثير. فمن خلال الزوارق السريعة والألغام البحرية والطائرات المسيّرة، تمكنت من تهديد شريان ينقل ما يقارب خمس النفط العالمي، لتؤكد مجددًا أن معادلات القوة الحديثة لا تُقاس فقط بحجم الجيوش، بل بالقدرة على تعطيل الاقتصاد الدولي.
لكن حتى لو انتهت الحرب فعليًا، فإن عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبلها تبدو شبه مستحيلة في المدى القريب. فالتقارير تشير إلى وجود أكثر من 166 ناقلة نفط عالقة داخل الخليج العربي، محمله بنحو 170 مليون برميل من النفط، ما يعني أن إعادة الحركة الطبيعية للملاحة تحتاج إلى أشهر طويلة، وليس إلى أيام أو أسابيع. كما أن إعادة تشغيل الحقول النفطية في السعودية والعراق وبقية المنطقة ليست عملية تقنية بسيطة، بل معقدة للغاية، لأن حقول النفط العملاقة تحتاج إلى توازنات دقيقة في الضغط والغاز والمياه داخل الخزانات الجوفية، وأي تشغيل متسرع قد يؤدي إلى أضرار دائمة في الآبار نفسها.
الأخطر من ذلك أن الحرب لم تضرب فقط حركة التصدير، بل أصابت بنية الطاقة التحتية في الشرق الأوسط. بعض المصافي ومحطات الغاز وخطوط الإنتاج تعرضت لأضرار قد يستغرق إصلاحها سنوات، ما يعني أن العالم قد يدخل فعليًا في مرحلة "النفط المرتفع طويل الأمد”، وهو ما يفسر تمسك الأسواق بسقف سعري مرتفع رغم كل التصريحات السياسية حول قرب السلام.
اقتصاديًا، لم تعد أزمة هرمز مجرد أزمة نفط، بل تحولت إلى أزمة ثقة عالمية. فشركات الشحن تخشى العودة، وشركات التأمين رفعت أسعار التغطية البحرية إلى مستويات غير مسبوقة، فيما لا تزال إيران تتحدث عن مرور" منظم للسفن" وليس حرية ملاحة كاملة، وهو فارق سياسي وقانوني خطير يعكس أن طهران تريد الحفاظ على ورقة المضيق كورقة ضغط دائمة في أي مفاوضات قادمة.
وفي هذا السياق، فإن العالم يتجه نحو إعادة قراءة مفهوم أمن الطاقة الدولي. فالحرب الأخيرة أثبتت هشاشة الاعتماد العالمي على ممرات بحرية محدودة، وأعادت إحياء النقاش حول بدائل خطوط الإمداد، وخطوط الأنابيب البرية، والاستثمارات الكبرى في الطاقة البديلة، وحتى إعادة التموضع الجيوسياسي للقواعد العسكرية الغربية في الخليج العربي.
أما الولايات المتحدة، فإنها تجد نفسها أمام معضلة استراتيجية معقدة؛ فهي انتصرت عسكريًا، لكنها لم تستطع حتى الآن فرض استقرار اقتصادي كامل. وهذا يعكس أزمة عميقة في مفهوم القوة الأمريكية الحديثة، حيث باتت واشنطن قادرة على تدمير الخصوم، لكنها أقل قدرة على إنتاج سلام مستدام يحظى بثقة الأسواق الدولية.
وفي المقابل، تحاول إيران تقديم نفسها باعتبارها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، وأن أي استقرار في الخليج العربي لا يمكن أن يتم دون الاعتراف بمصالحها الأمنية والسياسية. ولهذا فإن معركة ما بعد الحرب قد تكون أخطر من الحرب نفسها، لأنها معركة النفوذ وإعادة رسم خرائط الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية الدولية.
إن العالم اليوم لا ينتظر فقط نهاية الحرب، بل ينتظر شكل النظام العالمي الذي سيولد من تحت أنقاضها. فمضيق هرمز لم يعد مجرد ممر نفطي، بل أصبح عقدة استراتيجية تختبر توازنات القوة الدولية، وحدود الردع، ومستقبل الاقتصاد العالمي في عصر الصراعات المركبة.




