شريط الأخبار

مهرجان جرش… تراجع في الذوق أم سوء إدارة؟

مهرجان جرش… تراجع في الذوق أم سوء إدارة؟
كرمالكم :  

عدنان نصّار

على امتداد أكثر من أربعة عقود، لم يكن مهرجان جرش مجرد حفلات غنائية أو أمسيات شعرية، بل كان نافذة الأردن الثقافية إلى العالم، ومنصة تلتقي عليها الفنون الرفيعة بالموروث الوطني، وتُقدَّم من خلالها صورة الدولة التي تؤمن بأن الثقافة إحدى أدوات القوة الناعمة، وأن الفن رسالة ترتقي بالوعي ولا تنجرف خلف كل موجة عابرة.

غير أن ما يثار في كل دورة من نقاشات وانتقادات يفرض سؤالاً مشروعاً: هل ما نشهده اليوم هو تراجع في الذوق العام، أم أن المشكلة تكمن في إدارة المهرجان وآليات التخطيط واختيار البرامج؟

قد يكون من السهل تحميل الجمهور مسؤولية تغير الذائقة، فالناس يعيشون اليوم في زمن المنصات الرقمية والإيقاع السريع، وأصبحت الأعمال الأكثر انتشاراً ليست بالضرورة الأكثر قيمة. لكن هذا التفسير وحده لا يكفي، لأن وظيفة المهرجان الثقافي ليست أن يلهث خلف المزاج العام، بل أن يسهم في الارتقاء به، وأن يوازن بين ما يطلبه الجمهور وما يستحق أن يُقدَّم له.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: أيُّ ذوقٍ يُراد لنا أن نقتنع بأنه يمثّل الجمهور، عندما يصعد أحد المطربين المشاركين إلى مسرح مهرجان جرش مرتدياً أزياءً يراها كثيرون مخالفة للصورة التقليدية لملابس الرجال، بما في ذلك تنورة وقميص صُمِّما في الأساس للنساء؟ وكيف يمكن اعتبار مثل هذا المشهد تعبيراً عن رسالة مهرجان يحمل اسم الأردن ويُقدَّم بوصفه واجهة ثقافية للدولة؟ إن القضية ليست في محاكمة الأشخاص أو التدخل في خياراتهم الفردية، وإنما في حق الجمهور بالتساؤل عن طبيعة الرسالة الثقافية التي يريد المهرجان تقديمها، وعن مدى انسجامها مع هوية المجتمع وقيمه، خصوصاً أن المهرجان ليس حفلاً خاصاً، بل مناسبة وطنية تحمل بعداً ثقافياً ورمزياً.

إن المهرجان، في جوهره، ليس مجرد منصة لاستضافة الفنانين، بل مؤسسة ثقافية وطنية يفترض أن تعكس وتعمّق الهوية الثقافية الأردنية والعربية عبر برنامج يليق بتاريخ جرش ومكانته. فهو مطالب بأن يقدم الفن الأصيل، ويحتفي بالإبداع الحقيقي، ويمنح المساحة للمسرح والشعر والموسيقى والفنون البصرية التي تعبّر عن وجدان المجتمع وتاريخه. وعندما تغيب هذه الرؤية، أو تتراجع أمام البحث عن الإثارة والانتشار، يفقد المهرجان جزءاً من رسالته، ويتحول من صانعٍ للذائقة إلى تابعٍ لها، بينما كانت رسالته منذ تأسيسه أن يكون منارةً للثقافة، لا مجرد مسرح للعروض العابرة.

وفي المقابل، فإن أي مهرجان بحجم جرش يحتاج إلى رؤية ثقافية قبل أن يحتاج إلى برنامج فني. فاختيارات الضيوف، وتوزيع الفعاليات، وإبراز المسرح الأردني، والاهتمام بالشعر والفكر والفنون التشكيلية، كلها عناصر تحدد هوية المهرجان أكثر مما تحددها أرقام الحضور أو نسب المشاهدة.

إن نجاح مهرجان جرش لا يُقاس بعدد التذاكر المباعة أو حجم التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، وإنما بقدرته على تقديم رسالة ثقافية متوازنة، تمنح الفنان الأردني مساحة تليق بإبداعه، وتفتح المجال للمثقفين والمبدعين الحقيقيين، وتعيد الاعتبار للهوية الثقافية التي تأسس عليها المهرجان.

لسنا بحاجة إلى مهرجان يبحث عن الإثارة العابرة أو الجدل الذي ينتهي بانتهاء الحفل، بل إلى مهرجان يصنع ذاكرة وطنية، ويؤكد أن الثقافة مشروع وعي طويل الأمد، لا وسيلة لتحقيق الانتشار السريع.

ويبقى السؤال مفتوحاً أمام القائمين على المهرجان: هل المطلوب مجاراة الذوق السائد، أم المساهمة في تشكيل ذوق أفضل؟ وهل تكمن المشكلة فعلاً في الجمهور، أم أن الإدارة مطالبة بإعادة النظر في فلسفة المهرجان وأولوياته، بحيث يعود جرش منارةً للفن الرفيع، لا ساحةً للجدل؟

إن النقد هنا ليس انتقاصاً من مهرجان يمثل أحد أهم الإنجازات الثقافية الأردنية، بل هو دعوة صادقة إلى مراجعة جادة تحفظ لجرش مكانته العربية والدولية، وتعيد إليه بريقه بوصفه مهرجاناً للثقافة والفن، يليق بتاريخ الأردن ورسالته الحضارية، ويستحق أن يبقى عنواناً للجمال والإبداع، لا للجدل والانقسام.

رأي اليوم