د. صالح سليم الحموري
كان المستقبل، حتى وقت قريب، مكانًا نذهب إليه بخيالنا. نتوقعه، ونخطط له، ونخاف منه أحيانًا، لكننا كنا نملك ترف المسافة بين اليوم والغد.
اليوم اختفت هذه المسافة تقريبًا.
المستقبل لم يعد ينتظرنا في الأفق؛ دخل إلى جيوبنا، ومكاتبنا، ومدارسنا، وقراراتنا. الذكاء الاصطناعي يكتب ويحلل ويقترح، والخوارزميات تعرف بعض تفضيلاتنا قبل أن نفكر فيها، والوظائف تتغير أسرع من قدرتنا على إعادة تعريفها. لم نعد نعيش زمن التغيير فقط، بل نعيش تغيير الزمن نفسه.
عندما كتب العالم "ألفن توفلر صدمة المستقبل عام "1970، حذّر من أن سرعة التغيير قد تتجاوز قدرة الإنسان على التكيف. أما اليوم، فقد انتقلنا إلى حالة مختلفة: الصدمة لم تعد مما سيأتي، بل مما يحدث الآن. وهذا ما أسميه "صدمة الحاضر": أن يصبح الواقع أسرع من أدواتنا لفهمه، وأن تتراكم التحولات حتى نفقد المسافة اللازمة للتأمل والتمييز واتخاذ القرار.
المشكلة ليست في ظهور تقنية جديدة كل يوم، بل في أن أشياء كثيرة تتغير في الوقت نفسه: العمل، والتعليم، والاقتصاد، والعلاقات، والإعلام، والثقة، وحتى الطريقة التي نفهم بها أنفسنا. لذلك لم يعد السؤال: ماذا سيحدث غدًا؟ بل أصبح: ماذا يحدث لنا اليوم؟
وهنا تكمن المفارقة؛ لدينا أدوات أكثر ذكاءً، لكن ليس بالضرورة حكمة أكثر. لدينا معلومات أكثر، لكن انتباهًا أقل. نتواصل أكثر، وربما نفهم بعضنا أقل. ننجز أسرع، لكننا لا نسأل دائمًا: إلى أين نركض؟
لهذا، فإن مواجهة صدمة الحاضر لا تكون بمزيد من السرعة. أحيانًا نحتاج إلى العكس تمامًا: بطء استراتيجي يمنحنا فرصة للفهم قبل الفعل، وللسؤال قبل الإجابة، ولتمييز ما يستحق أن نلاحقه مما يستحق أن نتركه يمر.
المؤسسات أيضًا مطالبة بأن تتغير. فلا يكفي أن نطلب من الإنسان أن يتكيف بلا نهاية، بينما تبقى أنظمتنا التعليمية والإدارية والقيادية مصممة لعالم أبطأ. نحن بحاجة إلى مؤسسات تتعلم، وقيادات تستشرف، وتعليم يبني القدرة على الفهم، وتقنية تعمل في خدمة الإنسان لا العكس.
لقد كان السؤال القديم: كيف نستعد للمستقبل؟
أما سؤال عصرنا فهو أصعب: كيف نحافظ على إنسانيتنا، واتزاننا، وحكمتنا… في عالم أصبح فيه المستقبل حاضرًا يوميًا؟
ربما لا نحتاج اليوم إلى أن نسبق المستقبل بقدر ما نحتاج إلى ألا نفقد أنفسنا ونحن نحاول اللحاق بالحاضر.




