شريط الأخبار

عندما تتحول الهزيمة إلى نهضة: كيف تنجو الأمم من طاعون الفرقة والانقسام؟

عندما تتحول الهزيمة إلى نهضة: كيف تنجو الأمم من طاعون الفرقة والانقسام؟
كرمالكم :  

م. سعيد المصري

قدّم الكاتب والمفكر ماهر مملوك، في مقالته المعنونة «الشرق الأوسط وعُقدة الداخل وأطماع الخارج»، قراءة صادقة للعلاقة المتشابكة بين هشاشة الدول من الداخل وقدرة القوى الخارجية على التدخل في شؤونها والسيطرة على مقدراتها. فالمشكلة، كما يوضح، لا تكمن في الخارج وحده، ولا يمكن اختزالها كذلك في عيوب داخلية منفصلة عن سياسات القوى الكبرى، بل تنشأ من تلاقي الطمع الخارجي مع الضعف الداخلي، بحيث يصبح كل منهما سبباً في تعميق الآخر.

ويلفت مملوك إلى أن الشرق الأوسط ليس مجرد جغرافيا مضطربة، بل منطقة تتمتع بموقع استراتيجي وثروات هائلة وتنوع ديني وعرقي وثقافي شديد الحساسية. ولهذا لم تتوقف القوى الكبرى، قديماً وحديثاً، عن النظر إليه باعتباره مجالاً للنفوذ والمصالح. لكنه يطرح السؤال الأهم: لماذا يجد الخارج أبواب المنطقة مفتوحة أمامه في كل مرة؟

تكمن الإجابة في ضعف مؤسسات الدولة، وتراجع الهوية الوطنية أمام الولاءات الطائفية والعرقية والقبلية والشخصية، وعجز السلطة عن بناء شرعيتها على القانون والكفاءة والعدالة. فالخارج لا يصنع دائماً نقاط ضعفنا، لكنه يكتشف الشقوق القائمة ويعمل على توسيعها، مستفيداً من الانقسامات الداخلية ومن وجود جماعات أو نخب تربط مصالحها ودوام نفوذها بدعمه وحمايته.

وفي هذه الحالة يتحول التنوع، الذي يفترض أن يكون مصدر غنى وقوة، إلى أداة للفرقة والصراع. ويصبح المواطن تابعاً لطائفته أو جماعته قبل أن يكون منتمياً إلى دولته، كما يصبح الولاء للأشخاص أقوى من الولاء للمؤسسات. وعندما تختار السلطة رجالها على أساس الولاء لا الكفاءة، وتكافئ الموالين وتقصي أصحاب الرأي والخبرة، فإنها تبني نظاماً يبدو قوياً في ظاهره، لكنه شديد الهشاشة في داخله.

وهكذا تتشكل الدائرة التي وصفها مملوك بدقة: ضعف داخلي يفتح الباب أمام الخارج، وتدخل خارجي يعمّق الانقسام الداخلي، والانقسام يضعف الدولة أكثر، فتزداد حاجتها إلى الحماية الخارجية. وفي نهاية المطاف تتحول الدولة من فاعل يمتلك قراره إلى ساحة تتنافس فوقها مصالح الآخرين.

غير أن هذه القراءة تفتح الباب أمام سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تقود الهزيمة والخيبة بالضرورة إلى مزيد من الانقسام والتفكك، أم يمكن أن تتحول صدمة الهزيمة إلى بداية لنهوض وطني جديد؟

تواجه الأمم المهزومة عادة مسارين متناقضين. أولهما الاستسلام النفسي للهزيمة، والانغماس في تبادل الاتهامات والبحث عن خائن داخلي أو عدو دائم تبرر به إخفاقاتها. وفي هذا المسار تنتشر سرديات المظلومية، وتتراجع الثقة بالدولة، وتتصارع الجماعات على ما تبقى من مواردها، ويبدأ كل مكون بالبحث عن حماية خارجية. وهكذا يصبح الإخفاق أرضاً خصبة لطاعون الفرقة والانقسام، بدلاً من أن يكون حافزاً للمراجعة والإصلاح.

أما المسار الثاني، فهو أن تمتلك الأمة الشجاعة لمواجهة أسباب هزيمتها، وأن تعترف بأخطائها، وتعيد بناء مؤسساتها وهويتها الوطنية، وتحول الألم إلى طاقة للعمل. وهذا ما حدث، بدرجات وصور مختلفة، في ألمانيا واليابان وإيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية.

خرجت هذه الدول من الحرب مهزومة ومدمرة، وقد فقدت جزءاً كبيراً من سيادتها وخضعت لترتيبات فرضتها الدول المنتصرة. كما تعرضت ألمانيا للتقسيم، ووضعت اليابان تحت الاحتلال الأميركي، بينما خرجت إيطاليا من تجربة الفاشية والحرب وهي تعاني الانقسام والانهيار الاقتصادي. ومع ذلك، لم تجعل هذه الشعوب من الهزيمة هوية دائمة، ولم تسمح لصدمة الماضي بأن تتحول إلى حرب داخلية مستمرة بين مكوناتها.

في ألمانيا الغربية، أدرك كونراد أديناور أن استعادة مكانة بلاده لا تتحقق باستحضار خطاب الثأر أو إنكار الهزيمة، بل ببناء دولة دستورية ديمقراطية، واستعادة الثقة بالقانون والمؤسسات، وتحقيق المصالحة مع الخصوم، وربط مستقبل ألمانيا بمشروع أوروبي يحدّ من احتمالات عودة الحروب. ورغم أن النظام الجديد نشأ في ظل وجود الحلفاء، فإن القيادة الألمانية استطاعت تحويل القيود المفروضة عليها إلى فرصة لإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع.

وفي اليابان، احتُفظ بالإمبراطور هيروهيتو رمزاً لاستمرار الدولة ووحدة المجتمع، بينما تولت الحكومات اليابانية، بالتعاون مع سلطة الاحتلال الأميركي، إعادة بناء النظام السياسي والاقتصادي. وقد اختارت اليابان توجيه مواردها نحو التعليم والصناعة والتكنولوجيا والتصدير، مستفيدة من المظلة الأمنية الأميركية. وبذلك تحولت من دولة مهزومة ومدمرة إلى قوة اقتصادية وتقنية عالمية، من دون أن تجعل التبعية الأمنية عقبة أمام بناء قدراتها الوطنية.

أما إيطاليا، فقد تجاوزت سقوط الفاشية من خلال إعادة الحياة الديمقراطية وتأسيس الجمهورية وبناء نظام دستوري تعددي. وساعدتها قيادات مثل ألتشيدي دي غاسبري على الاندماج في أوروبا والاستفادة من الدعم الغربي، مع توجيه المجتمع نحو إعادة الإعمار والإنتاج، بدلاً من إبقائه أسيراً للصراع على مسؤولية الهزيمة.

ولا تعني هذه التجارب أن القوى المنتصرة تصرفت بدافع أخلاقي مجرد، فقد كان للولايات المتحدة والغرب مصالح استراتيجية واضحة في إعادة بناء هذه الدول ودمجها في مواجهة الاتحاد السوفياتي. لكن المصالح الخارجية وحدها لا تصنع نهضة. فقد تلقت دول أخرى مساعدات واسعة، وبقيت ضعيفة لأن نخبها حولت المساعدات إلى أدوات لتثبيت السلطة وتوزيع الامتيازات، بدلاً من استخدامها لبناء الإنسان والاقتصاد والمؤسسات.

إن الفارق الحاسم لا يكمن إذاً في وقوع الهزيمة، بل في كيفية إدارتها. فالقيادة الواعية لا تنكر الهزيمة، ولا تستثمرها في تخويف الشعب أو تقسيمه، وإنما تحولها إلى لحظة مراجعة وطنية. وهي لا تبحث عن شرعيتها في حماية الخارج، بل في قدرتها على حماية مواطنيها وإعادة ثقتهم بالدولة.

وقد تُهزم أمة في الحرب ثم تنهض، بينما تبقى أمة أخرى مستقلة في الظاهر، لكنها تغرق في التبعية بسبب ضعف مؤسساتها وانقسام مجتمعها. فالهزيمة العسكرية ليست أخطر ما يصيب الشعوب؛ الأخطر أن تتحول الخيبة إلى ثقافة عامة، وأن يصبح الانقسام وسيلة للبقاء السياسي، وأن يعتاد المواطن انتظار خلاصه من الخارج.

وهنا تلتقي خلاصة التجارب الثلاث مع جوهر مقالة ماهر مملوك: الخارج قد يطمع ويتدخل ويستغل، لكنه لا يستطيع أن يجعل الانقسام مصيراً دائماً إلا حين يجد في الداخل من يغذيه ويحميه. فمفتاح الباب يبقى في الداخل، لكن إغلاقه لا يكون بالشعارات وحدها، بل بدولة القانون، والقيادة الكفؤة، والعدالة، والمواطنة، واستعادة الثقة بين الشعب ومؤسساته.

إن الأمم لا تنهض بإنكار هزائمها، بل بفهمها. ولا تستعيد كرامتها بتقديس آلامها، بل بتحويل الألم إلى مشروع وطني جامع. وعندما تنفض الشعوب غبار الهزيمة عن أجسادها، وتتجاوز طاعون الفرقة والانقسام، تستطيع أن تنتقل من موقع الطريدة التي يتنازعها المفترسون إلى موقع الدولة القادرة على حماية مصالحها وصناعة مستقبلها.