د. عمر الرداد
بنت القيادة الإيرانية استراتيجيتها في مواجهة امريكا على رهان واضح: أن الزمن سيعمل ضد الرئيس ترامب، وأن العقبات التي تواجهه ستتحول تدريجياً إلى قيود تدفعه إلى التراجع أو القبول بتسوية أقل من سقف مطالبه،وتراهن طهران في ذلك على عدة عوامل أبرزها: ارتفاع أسعار النفط، وتراجع التأييد الشعبي للحرب، واقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وصعوبة تشكيل إجماع دولي، وكلفة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة،لكن المشكلة في هذه الرهانات أنها تنطلق من فرضية وجود قدر متقارب من القدرة على تحمل الكلفة بين الولايات المتحدة وإيران، بينما الواقع مختلف تماماً.
لا شك ان امريكا تواجه بالفعل كلفة اقتصادية وسياسية وعسكرية، لكنها تمتلك قدرة أكبر على امتصاص الصدمات،إذ يستطيع الاقتصاد الأمريكي التعامل مع ارتفاع أسعار الطاقة، وتنويع مصادر الإمداد، واستخدام القوة العسكرية لتأمين الملاحة،فيما تواجه إيران العقوبات واضطراب التجارة وتراجع صادرات النفط وتقلص قنوات التمويل في وقت واحد، وهنا يبرز الرهان الإيراني على مضيق هرمز، ولا شك أن اضطراب الملاحة يرفع أسعار النفط ويضغط على الاقتصاد الأمريكي، لكن تحويل ذلك إلى سلاح استراتيجي يتطلب استمرار الاضطراب لفترة طويلة، لكن الواضح انه مع مرور الوقت، ستزداد قدرة الولايات المتحدة وشركائها على تأمين الملاحة وتطوير البدائل، كما ستتكيف الأسواق العالمية مع الصدمة،أي أن إيران تستطيع رفع كلفة الطاقة، لكنها لا تستطيع بسهولة تحويل ذلك إلى خنق للاقتصاد الأمريكي.
أما الرأي العام الأمريكي، فهو يمثل نقطة ضغط حقيقية، لكن انخفاض التأييد للحرب لا يعني بالضرورة أن ترامب سيختار التراجع، حيث يستطيع تقليص الانخراط العسكري المباشر، ونقل مركز الثقل إلى العقوبات والضغط الاقتصادي، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً من دون تقديم تنازلات جوهرية، وهذه المرونة تمنح واشنطن ميزة مهمة،فهي لا تحتاج إلى خوض حرب مفتوحة طوال الوقت، كما أن واشنطن ليست بحاجة إلى إجماع دولي كامل حول المواجهة، إذ يكفيها بناء تحالفات حول أمن الطاقة، وحرية الملاحة، ومنع الانتشار النووي، وأمن الخليج، وحينما ستجد إيران نفسها أمام شبكة واسعة من الدول التي لها مصلحة في إنهاء اضطراب الملاحة والحفاظ على استقرار الأسواق، وهو ما يبدو أن واشنطن نجحت إلى حد كبير في تحقيقه، رغم استمرار بعض العقبات.
والأخطر بالنسبة لطهران أن المواجهة بدأت تتحول من صراع أمريكي–إيراني إلى صراع على شبكة العلاقات الاقتصادية المحيطة بإيران، حيث بدأت واشنطن تضغط على الدول والشركات التي يمكن أن توفر لطهران التمويل والأسواق،بينما تحاول إيران منع هذه الأطراف من الانضمام إلى سياسة الضغط الأمريكية، والمفارقة أن إيران تراهن على العقبات التي تواجه ترامب، بينما تحاول واشنطن تحويل هذه العقبات نفسها إلى أدوات ضغط،فارتفاع أسعار النفط يمكن احتواؤه، وتراجع التأييد الشعبي يمكن التعامل معه بتغيير طبيعة المواجهة، وصعوبة تحقيق الإجماع الدولي يمكن تجاوزها بتحالفات جزئية،أما إيران، فلا تملك المرونة نفسها،فهي لا تستطيع تحمل حرب واستنزاف مفتوحين إلى ما لا نهاية، ولا تستطيع بسهولة تعويض خسائر التجارة والطاقة والتمويل، وهناك شكوك عميقة بكل التسريبات حول الدعم الصيني والروسي لايران، فبكين وموسكو تربطهما علاقات اوسع واعمق واكثر اهمية مع واشنطن بالمقارنة مع طهران، لذا فإن المعركة الحقيقية ليست معركة من يوجه الضربة الأقوى، وإنما من يستطيع تحمل الزمن وإدارة الكلفة بصورة أفضل،والتقدير الأقرب أن المواجهة تتجه إلى استنزاف طويل، لكن ميزان الاستنزاف ليس متساوياً،فإذا نجحت واشنطن في إبقاء أسعار الطاقة ضمن نطاق يمكنها تحمله، وتأمين الملاحة، وتضييق قنوات التمويل الإيرانية، فإن ورقة الزمن التي تراهن عليها طهران قد تنقلب عليها.
ورغم كل ما تقدم فان عاملا حاسما في هذه المواجهات، يؤكد ان الملف برمته ليس بين امريكا وايران فقط، وهو العامل الإسرائيلي،فالحرب بالنسبة لإسرائيل لا تُقاس فقط بما تريده واشنطن من منع إيران من امتلاك سلاح نووي أو تقليص قدراتها الصاروخية، بل بما تعتبره تل أبيب معركة طويلة لإعادة تشكيل ميزان القوى في الإقليم، ولذلك، فإن قدرة ترامب على إنهاء الحرب أو الانتقال إلى تسوية ستظل مرتبطة إلى حد كبير بمدى استعداد إسرائيل لقبول نتائجها، فقد أظهرت الحرب أن الأهداف الأمريكية والإسرائيلية تتقاطع في ملفات أساسية، لكنها ليست متطابقة بالضرورة، فواشنطن قد تكون مستعدة لتسوية تحفظ أهدافها الأساسية، بينما قد ترى إسرائيل أن أي اتفاق يترك لإيران قدرة عسكرية أو نووية قابلة لإعادة البناء ليس نهاية للحرب وإنما تأجيل لها، وهذا يعني أن إسرائيل قد تكون العامل الذي يدفع نحو استمرار التصعيد عندما تميل واشنطن إلى التفاوض، كما يمكن أن تكون عاملاً ضاغطاً باتجاه تسوية إذا اقتنعت بأن استمرار الحرب لم يعد يحقق مكاسب إضافية، ومن هنا فإن مستقبل الحرب لن يتحدد بالرهانات الإيرانية على تعب ترامب وحده، وإنما أيضاً بقدرة ترامب على إدارة التباين بين هدف أمريكي يقوم على إنهاء الحرب بشروط استراتيجية، وهدف إسرائيلي قد يدفع نحو استمرارها إلى أن ترى تل أبيب أن الخطر الإيراني قد جرى تحييده بصورة دائمة.




